طبقات المالكية

الطبقة الأولى: الإفريقيون

1ـ عبد الله بن فروخ (ت 175ﻫ)

اسمه ونسبه:

هو عبد الله بن فروخ، أبو محمد الفارسي القيرواني، ويقال فيه: الإفريقي والخراساني، أصله من الأندلس، واستوطن القيروان.

مولده ووفاته

مولده: ولد ابن فروخ بالأندلس سنة (115ﻫ).

وفاته: توفي بمصر ودفن بها سنة (175ﻫ) قبل وفاة مالك بن أنس، وأَسِف  لموته العلماء، منهم: ابن وهب حيث قال: «قدم إلينا ابن فروخ سنة ست وتسعين بعد موت الليث ابن سعد، فرجونا أن يكون خلفا منه، فما لبث إلا يسيرا حتى مات، وجعلت على نفسي ألا أحضر جنازة إلا وقفت على قبره، أدعو له».

شيوخه وتلاميذه

شيوخه: أخذ ابن فروخ عن كبار شيوخ وقته، منهم: الأعمش، وهشام بن حسان، وزكريا بن أبي زائدة، وأبي حنيفة، والثوري، ومالك، وتفقه به مدة، وكان اعتماده في الحديث والفقه، وبصحبته اشتهر، لكنه كان يميل إلى النظر والاستدلال، فربما مال إلى قول أهل العراق فيما تبين له منه الصواب»، وروى عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. كما حكى ابن يونس في تاريخه.

تلاميذه: روى عنه أبو عثمان سعيد بن بحر الحداد، وسمع منه يحيى بن سلام، وحبيب أخو سحنون، وسعيد بن أبى مريم، وعمرو بن الربيع بن طارق، وغيرهم.

مكانته في المذهب

يعتبر عبد الله بن فروخ من الطبقة الأولى من أصحاب مالك الإفريقيين، وأحد الأعلام بها الذين كان لهم أثر بارز في نشر المذهب المالكي بإفريقية، وكان مالك يوليه اهتماما متميزا صحبة علي بن زياد العبسي، وعبد الله بن غانم؛ لكونهم طليعة المذهب هناك، فكان يحيل عليهم فتاوى أهل بلدهم عند حضورهم، وسر بتولية بعضهم القضاء، وكان يوصيهم بنشر مذهبه.

ويتجلى اهتمام مالك به، أنه كان يكرمه ويعظمه، حتى وصفه  بـ«فقيه المغرب»، فقد ذكر أبو بكر المالكي أن ابن فروخ لما ذهب إلى المدينة، و«أتى مالك للسلام عليه، فلما رآه مالك تلقاه بالسلام وقام إليه، وكان لا يكاد يفعل ذلك بكثير من الناس، وكان لمالك موضع من مجلسه، يقعد فيه وإلى جانبه المخزومي، معروف له ذلك، لا يستدعي مالك أحدا إلى القعود فيه، فأقعده وساءله عن أموره وأحواله، وقال له: متى كان قدومك يا أبا محمد؟ فأعلمه أن قدومه كان في الوقت الذي أتى إليه فيه، فقال له: صدقت، لو كان قدومك تقدم لعلمت بك، ولو علمت لأتيتك، وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر إلا قال: أجب يا أبا محمد فيجيب، ثم يقول مالك للسائل: هو كما قال لك، ثم التفت إلى أصحابه، وقال: هذا فقيه أهل المغرب». وعلق على هذا القول  ابن ناجي في "معالم الإيمان" فقال: "وهذه مكانة للمخزومي ومكانة لابن فروخ، أيهما أورد أجلسه فيه حين وروده عليه، وأخص من ذلك قيام مالك له حين قدومه، ولا يعرف الفضل لأولي الفضل إلا أهل الفضل".  و"قال ابن الجزار في كتاب طبقات القضاة، كان ابن فروخ فقيها ورعا، رحل في طلب العلم، وكان يكاتب مالك بن أنس في المسائل ويجاوبه مالك".

ومما يؤكد مكانة ابن فروخ عند مالك ما حكاه القاضي عياض أنه "جاءت إلى مالك من عند ابن غانم أقضية فقال: ما قال فيها المصفر يعني البهلول، وما قال فيها الفارسي يعني عبد الله بن فروخ". قال ابن حارث معلقا على كلام مالك: "وسؤال مالك عن كلامه، وكلام البهلول في المسالة يدل على أنه علم أنهما صاحبا فتوى القيروان في زمنه"، وذكر صاحب رياض النفوس في ترجمة البهلول بن راشد أن مالكا نظر إلى ابن فروخ فقال: "هذا فقيه بلده".

كما كان لابن فروخ منزلة عند أقرانه في وقته بإفريقيا، فهذا البهلول بن راشد كان "يعظم ابن فروخ ويقلده فيما نزل من أمور الديانات".

وكان ابن فروخ "فقيهَ القيروان في وقته"، و"ناظر زفر بن الهذيل في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زفر للمغربية، فلم يزل ابن فروخ يناظره، حتى علا على زفر، وقطعه بالحجة، فقال أبو حنيفة لزفر: لا خفف الله ما بك معاتبة من أبي حنيفة؛ إذ ازدرى ابن فروخ".

وإضافة إلى معرفته بالفقه فقد كان حافظا للحديث، قال عياض: كان "حافظا للحديث والفقه".

مؤلفاته

ـ له: ديوان  يعرف باسمه، جمع فيه مسموعاته وسؤالاته للإمامين أبي حنيفة ومالك.

 ـ وله أيضا: كتاب في "الرد على أهل البدع والأهواء".

مصادر الترجمة

[طبقات علماء إفريقية لأبي العرب التميمي(ص: 34)، تاريخ ابن يونس المصرى (2/113)، معالم الإيمان للدباغ (1/238)، التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار (2/227)، تاريخ الإسلام للذهبي (11/215)، الوافي بالوفيات (17/215)، شجرة النور الزكية لمخلوف (ص: 60)، الأعلام للزركلي (4/ 112)].

************** 

2ـ علي بن زياد التونسي (ت 183ﻫ)

اسمه ونسبه

هو: علي بن زياد أبو الحسن، التونسي العبسي، الطرابلسي المولد.

ودفعا للبس والتشابه، فهناك عالم آخر من أكابر أصحاب مالك المصريين، يُشبهه، في الكنية، والاسم، والنسب، والأخذ عن مالك، وهو علي بن زياد أبو الحسن الإسكندراني.

مولده ووفاته

مولده: مع كثرة من ترجم لعلي بن زياد، لم أجد من حدد سنة ولادته، وإنما يكتفون بذكر المكان الذي ولد فيه، وهو: أنه ولد بأطرابلس.

  أما وفاته: فقد مات سنة (183ﻫ)، وهي السنة التي توفي فيها تلميذه وقرينه البهلول بن راشد، وقبره بتونس قرب سوق الترك.

شيوخه وتلاميذه

شيوخه: أخذ علي بن زياد على فقهاء أجلاء منهم: مالك بن أنس، وكان من الملازمين له واختص به اختصاصا زائدا، حيث  روى عنه "الموطأ"، وكتباً، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وطبقتهم، وسمع بإفريقية من خالد بن أبي عمران، ويعد هذا الأخير أكبر شيخ له.

أما تلاميذه: فقد أخذ عنه كبار علماء إفريقية وفحولها، كـالبهلول بن راشد، وأسد بن الفرات، وهو أول شيخ له، كما ذكر  أبو العرب قال: "وبلغني عن أسد بن الفرات، أنه قال: إني لأدعو الله لعلي بن زياد مع والدي، لأنه أول من تعلمت منه العلم"، وسحنون، و"لم يكن يقدم عليه أحدا من أهل إفريقية"، وشجرة بن عيسى المعافري.

مكانته في المذهب

يعد علي بن زياد من الطبقة الأولى من أصحاب مالك من أهل إفريقية، والركيزة الأساسية بها، فقد ذاع صيته بها، وانتشر خبره فيها، وله شهرة كبيرة في المذهب، فهو مؤسس المدرسة المالكية بالغرب الإسلامي، ويرجع إليه الفضل في إدخال مذهب مالك، ونشره بإفريقية، وتكوين المالكية هناك. فقد قال أبو سعيد بن يونس في تاريخه: "هو الذي أدخل المغرب جامع سفيان الثورى، وموطأ مالك، وفسّر لهم قول مالك، ولم يكونوا يعرفونه"، وقال الفاضل ابن عاشور: "كان علي بن زياد أول من كتب مسائل الفقه والفتاوى التي تكلم بها مالك بن أنس ـ  غير ما اشتمل عليه الموطأ مما يتصل بالآثار  ـ ... فأقبل علي بن زياد على تصنيف المسائل وتبويبها، وخرجها كتبا كتبا على مواضيع الأحكام الفقهية، وسمى جملة الكتاب بذلك الاسم الطريف، الذي يُعنْون عمّا له عنده من النفاسة، وما له به من الإعجاب...".

وعلي بن زياد أحد كبار أصحاب مالك بالقيروان، قال أسد بن الفرات: "كان علي بن زياد من أكابر أصحاب مالك".

وقد أثمرت ملازمة علي بن زياد لمالك، واختصاصه به في تمكنه من استكشاف أصوله الاجتهادية استكشافا لم يسبقه إليه أحد، فقد نقل عياض عن أسد بن الفرات أن أصحاب مالك الأولين، أمثال المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وابن كنانة، كانوا يقولون: "ما طرأ علينا طارئ من بلد من البلدان، كشف لنا مالكا عن الأصول كشف علي بن زياد".

هذا وقد أطال الثناء عليه أبو العرب في طبقاته، فمما قال فيه: "كان... فقيها خيارا، متعبدا، بارعا في الفقه"، واعتبره فريد زمانه، فقال: "لم يكن في عصره بإفريقية مثله"،  وقال: "وكان علي بن زياد خير أهل إفريقيا في الضبط للعلم".

وقد علا كعبه في الفقه، ورسخ قدمه فيه حتى قال عنه تلميذه سحنون: "ما أنجبت إفريقية مثل علي بن زياد"، وقال: "ما فاقه المصريون إلا بكثرة سماعهم، وذلك أن عليا بن زياد اختبرت سره وعلانيته، والمصريون إنما اختبرت علانيتهم فقط"، ووصفه الذهبي بـ"الفقيه ...شيخ المغرب"، وقال البلخي: "لم يكن في عصر علي بن زياد أفقه منه ولا أورع".

وبلغ من مكانة علي بن زياد أنه كان إليه المرجع في القضايا المختلف فيها بين علماء القيروان، فقد ذكر عياض أن أهل العلم بالقيروان كانوا "إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليعلمهم بالصواب".

كما أن علي بن زياد يعد من محرري أصحاب مالك ونقادهم، فقد قال عنه أسد بن الفرات: "كان علي بن زياد من نقاد أصحاب مالك".

ويكفي في بيان منزلة علي بن زياد ومكانته في المذهب وأثره فيه، أنه تخرج على يده الأسدان الفحلان: أسد بن الفرات، وسحنون، اللذان تكون على أيديهما المذهب المالكي، والذي ظهر في المدونة التي تعد من أمهات المذهب.

مؤلفاته

ـ له كتاب في الفقه يسمى "خير من زنته"، وهو ثلاثة كتب: بيوع، ونكاح، وطلاق، وسبب تسميته بهذا الاسم ما ذكره عياض: "أن علي بن زياد، لما ألف كتابا في البيع، لم يدر ما يسميه به، فقيل له في المنام: سمه: كتاب خير من زنته".

ـ وله سماع عن  الإمام مالك.

مصادر الترجمة

[طبقات علماء إفريقية (ص: 251)، تاريخ ابن يونس المصرى (2/153)، رياض النفوس (1/234)، طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: 143)، الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص: 109)، ترتيب المدارك (3/80ـ84)، الإكمال لابن ماكولا (ت: 475هـ)، الديباج المذهب (ص: 292)، التعريف برجال جامع الأمهات (ص: 204 ـ 205)، الوفيات لابن قنفذ (ص: 145)، شجرة النور الزكية (ص: 60)، أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي (ص: 54ـ55)].

***************

3ـ البهلول بن راشد  (ت 183ﻫ)

اسمه ونسبه

هو: البهلول بن راشد، أبو عمر الحَجْري الرعيني المغربي القيرواني. هكذا كنيته في أغلب الكتب التي ترجمت له، وقد انفرد الذهبي  في تاريخه، فكناه بأبي محمد.

مولده ووفاته

مولده: ولد البهلول بن راشد سنة (128ﻫ)، وهي السنة التي ولد فيها عبد الله بن غانم وعبد الرحمن بن القاسم.

وفاته: مات البهلول سنة (183ﻫ)، بعد وفاة علي بن زياد بخمسة وثلاثين يوما، وقبره بباب سلم مشهور.

شيوخه وتلاميذه

شيوخه: تتلمذ البهلول على علماء كبار في وقته، يأتي في طليعتهم مالك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم، ويونس بن يزيد، وموسى بن علي بن ربَاح، وغيرهم.

تلاميذه: خلف البهلول تلاميذ كثر، فقد سمع منه وجوه مشايخ إفريقية: كسحنون، وعون بن يوسف الخزاعي، وأبي زكرياء يحيى بن سليمان الحُفْري، ويحيى بن سلام. وروى عنه أيضا عبد الله بن مسلمة القعنبي، وجماعة.

مكانته في المذهب

يعد البهلول بن راشد من طبقة الرعيل الأول من أصحاب مالك الإفريقيين، وأحد التلاميذ الذين نشروا مذهبه هناك، وكان مؤاخيا لشقران، ومعروفا باتباع مالك، إلا أنه "ربما مال إلى قول الثوري"، كما ذكر المالكي في رياض النفوس.

وكان البهلول يحظى بمكانة عند شيخه مالك بن أنس، فقد جاءت إلىه أقضية من عند ابن غانم "فقال: ما قال فيها المصفر؟ يعني البهلول، وما قال فيها الفارسي؟ يعني عبد الله بن فروخ".

وصدَّر أبو بكر المالكي ترجمة البهلول بقوله: "فضله أكثر من أن يذكر"، وقد وصفه القعنبي بقوله: "هو وتد من أوتاد المغرب"، وقال أبو إسحاق البرقي: "كان بهلول بن راشد من أهل الفضل والعلم والورع، معروفا بذلك مع العبادة والاجتهاد"، وقال أبو العرب: "كان ثقة، مجتهدا... عنده علم كثير"، وقد وصفه الذهبي بـ"الفقيه"، وقال: " كان صادقا مجتهدا...واسع العلم".

  ويعد "البهلول من الفقهاء لكن غلب عليه العبادة"؛ لأنه كان "أولا مشغولا بالعبادة، فلما احتاج الناس إليه في العلم، سمع الموطأ من علي بن زياد وابن غانم، وسمع جامع سفيان الصغير من ابن أبي الخطاب، وأبي خارجة، والجامع الكبير من علي بن زياد، ودون الناس عنه جامعا، وقام بفتياهم".

وكان البهلول عالما بآراء فقهاء الأمصار حافظا لها، ويروي عياض ما يدل على ذلك أن عبد الرحيم بن أشرس نزلت به نازلة، قال: «رجل طلبه السلطان فأخفيته، وحلفت بالطلاق ثلاثا ما أخفيته. فقال له البهلول: مالك يقول: إنه يحنث في زوجته، قال ابن أشرس: وأنا سمعته يقوله، وإنما أردت غير هذا. فقال: ما عندي غير ما تسمع. قال: فتردد إليه ثلاثا، كل ذلك يقول له البهلول قوله الأول. فلما كان في الثالثة أو الرابعة، قال له: يا ابن أشرس، شر ما أنصفتم الناس، إذا أتوكم في نوازلهم قلتم قال مالك، قال مالك، فإذا نزلت بكم النوازل طلبتم لها الرخص، الحسن يقول: لا حنث عليه. فقال: الله أكبر، قُلِّدها الحسن».

وذكر حمديس أنه سمع سحنونا يقول: "كان البهلول بن راشد ورباح بن يزيد، وكان الذكر لرباح، فلما مات عاد للبهلول، وما ذاك إلا من خبيئة كانت للبهلول"،

وبالإضافة إلى ما سبق عن مكانة البهلول في الفقه فقد كان أحد علماء القيروان الحريصين على السنة، المتمسكين بالاتباع والاعتصام، وهذا أبو سعيد الحداد يقول: "ما كان بهذا البلد أحد أقوم بالسنة من رجلين: البهلول في وقته وسحنون في وقته"، وقد عقد القاضي عياض فصلا لـ« ذكر تسننه ومجانبته أهل الأهواء ومعاداته في الله".

مؤلفاته

للبهلول"ديوان في الفقه" عرف بكتاب الجامع.

مصادر الترجمة

 [طبقات علماء إفريقية لأبي العرب التميمي (ص: 52)، رياض النفوس للمالكي (1/200 ـ201)، ترتيب المدارك للقاضي عياض(3/87)، معالم الأيمان للدباغ (1/264) وما بعدها، تاريخ الإسلام للذهبي (4/817)، الديباج المذهب لابن فرحون (ص: 315)  الوفيات لابن قنفذ، شجرة النور الزكية (ص: 60 ـ 31)، معجم المؤلفين (3/81)].

********** 

4ـ  شقران بن علي القيرواني (ت: 186)

اسمه ونسبه

هو شُقْران بن علي، أبو علي القيرواني، الإفريقي، المغربي، الفَرَضي. ونسبه ابن خير وصاحب «معالم الإيمان» إلى «همدان»، إلا أن محقق المعالم علق على ذلك بأنه انفرد بهذه النسبة، ولم يرد في بقية مصادره، ثم قال: «ولعله وهم من النساخ».

ووفاته:

توفي شقران بالقيروان، ودفن في مقبرة باب سلم، سنة (186)، وقد ناف على السبعين عاما.

شيوخه وتلاميذ

روى عنه سحنون بن سعيد، وعون بن يوسف الخزاعي، وأبو الفيض ثوبان المعروف بذي النون

مكانته العلمية

يعد شقران من جلة فقهاء الطبقة الأولى من تلاميذ مالك إفريقية، اشتهر بعلم الفرائض، وجمع بين العلم والورع، قال عنه  أبو العرب التميمي: "كان من أهل الفضل والدين والاجتهاد، وكان مؤاخيا للبهلول بن راشد، وكان عالما بالفرائض، وله فيها كتاب لم نجد عند علمائنا عن شقران غيره، هو ثقة مأمون"، ونقل صاحب "المعالم" عن أبي العرب التميمي: «أنه كان يقول: فرائض شقران أصل حسن، يسهل على دارسه؛ لتقوى مؤلفه». ونظرا لمعرفته بعلم الفرائض أصبح  يعرف بـ"الفرضي"؛ وسمي بذلك؛ لأنه يحث الناس على العمل بالفرائض، وقِيل: لكونه كان يعرف علم الفرائض. كما ذكر الحافظ ابن حجر. وقال فيه ابن الأثير: "كان فقيها".

وكان شقران ﻣـﻦﻣﺸـﺎﻫﲑ ﺍﳌﻌﻠﻤﲔ ﰲ ﺻﺪﺭ ﺍﻹﺳﻼﻡ، والتي كان ﻻ ﻳﺘﻮﱃ ﻫﺬﻩ ﺍﳌﻬﻤﺔ ﺇﻻ ﻣﻦ ﺍﺷﺘﻬﺮ ﺑﺎﻻﺳﺘﻘﺎﻣﺔ ﻭﺍﻟﻌﻔﺎﻑ، ﻭﺣﺴـﻦ ﺍﳋﻠﻖ، ﻣﻊ ﺍﳋﱪﺓ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ ﰲ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﱘ  والحديث ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ، ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ

ﻋﻠﻮﻣﻬﻤـﺎ، ﺇﺿـﺎﻓﺔﺇﱃ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻋﻠﻮﻡ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﳓﻮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﳌﺴﺎﻧﺪﺓ.

مؤلفاته

     ـ له كتاب في الفرائض، قال فيه أبو العرب:  «لم نجد عند علمائنا عن شقران غيره».

ـ وله أيضا كتاب آخر يسمى: «مرائي شقران»، قال فيه صاحب العمر: «لعله من جمع بعض محبيه بعد موته».

مصادر الترجمة

[طبقات علماء إفريقية لأبي العرب التميمي(ص: 61) رياض النفوس لأبي بكر المالكي (1/312)، فهرسة ابن خير الإشبيلي (ص:231)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (5/347)، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر (3/1105)، شجرة النور الزكية لمخلوف (ص: 60)، الأعلام للزركلي (3/170)].

***************

5ـ عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني (ت190ﻫ).

اسمه ونسبه:

هو عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثوبان، أبو عبد الرحمن الرعيني المغربي الإفريقي.

مولده ووفاته:

ولد ابن غانم عام (128ﻫ) بالقيروان، وكان مولده ومولد البهلول بن راشد في ليلة واحدة.

وتوفي  سنة (190ﻫ)، وصلى عليه إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقيا، ودفن في باب نافع.

شيوخه وتلاميذه:

من شيوخه: عبد الرحمن بن زياد، وإسرائيل بن يونس، وداود بن قيس الفراء، ومالك بن أنس وعليه معتمده، وسفيان الثوري.

 ومن تلاميذه: القعنبي، وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهما.

مكانته في المذهب:

يعد ابن غانم أحد فقهاء المذهب المالكي بإفريقية، وطليعة العلم المالكي بها، وناشر مذهب مالك هناك، وكان فقيها عالما مشهورا، قال المالكي: «فضله وعلمه وورعه أشهر من أن يذكر»، ووصفه أسد بالفقيه، قال: «كان ابن غانم فقيها»، وقال عنه أبو العرب: «كان ثقة فقيها نبيلا»، وقال المؤرخ أبو علي بن أبي سعيد: «كان ابن غانم رجلا كاملا فقيها مقدما».

وكان ابن غانم يحظى بتقدير واحترام من قبل شيخه مالك ـ رحمه الله ـ، فقد كان مالك يوليه اهتماما متميزا صحبة مجموعة من «المغاربة»؛ وفرح بتولية بتوليه خطة القضاء، جاء في المدارك: «كان مالك يجل ابن غانم، وإذا جاء أقعده إلى جانبه ويسأله عن أخبار المغرب، وإذا رآه أصحابه قالوا: شغله المغربي عنا، ولما ولي القضاء أعلم مالك بذلك وسر به»، وكان يقول لأصحابه: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه»، وهذا كريم بلده.

ومما يجسد هذه المكانة التي تبوأها ابن غانم عند مالك رحمه الله أيضا، أنه عرض عليه أن يزوجه ابنته ويقيم عنده.

ويعتبر ابن غانم أحد الفقهاء الذين جمعوا بين المذهبيين الحنفي والمالكي: فقد كان يدرس المذهبين معا، ويستشير في أحكامه أبا يوسف القاضي كما يستشير مالكا أيضا، كما أدخل معه جملة من كتب أبي حنيفة ومسائله القيروان، وكان يخصص يوما لتدريسها، «قال معمر: كان ابن غانم يقرأ لنا كتب أبي حنيفة في الجمعة يوما».

إلا أن صلة ابن غانم بمذهب مالك كانت أوثق من صلته بمذهب أبي حنيفة، فقد ثبت عنه من حكاية سحنون، قال: «قرأ علينا ابن غانم كتابا من الموطإ فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، أيعجبك هذا من قول مالك؟ فقال ابن غانم ـ وألقى الكتاب من يده ـ: أو ليس وصمة علي في ديني وعقلي أن أرد على مالك قولة قالها؟ والله لقد أدركت العباد الذين يتورعون عن الذر فما فوقه، سفيان ودون سفيان، فما رأيت بعيني أورع من مالك».

ولما بلغ ابن وهب موته غمه ذلك غما شديدا، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون رحمك الله يا أبا عبد الرحمن فلقد كنت قائما بهذا الأمر، يريد الفقه والعلم

مؤلفاته:

 له: * سماع عن مالك، «أدخله ابن عبدوس في المجموعة»، ونقل منه ابن سحنون في كتابه الكبير. ويذكر في المصنفات أيضا باسم: «كتاب ابن غانم»، و«مسائل ابن غانم»، ويعرف أيضا بـ«ديوان ابن غانم».

 * أجوبة عن مالك في نوازل القضاء كان يرسل إليه أسئلتها، وذلك «فيمـا ينـزل به من نـوازل

الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة من مالك».

مصادر الترجمة:

[طبقات علماء إفريقية (ص: 44)، الانتقاء (ص: 109)، رياض النفوس (1/217)، طبقات علماء إفريقية (ص: 33)، ترتيب المدارك (3/67)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (9/186)، تاريخ الإسلام للذهبي (12/219)، العمر (ص: 239)].

*************

6 ـ صقلاب بن زياد الهمداني (ت193ﻫ)

اسمه ونسبه:

هو صقلاب  بن زياد الهمداني القيرواني.

شيوخه وتلاميذه:

من شيوخه: الإمام مالك وغيره.

 ومن تلاميذه: أبو سليمان زيد بن سنان وغيره.

مكانته وثناء العلماء عليه:

كان صقلاب من أصحاب مالك الإفريقيين، ومن طبقة البهلول بن راشد، وصف بـ: «الإمام الفقيه، كان من أهل الفضل والعبادة والاجتهاد ثقة مأموناً»، وقال عنه تلميذه أبو سنان: «كان صقلاب إماما من أئمة المسلمين، مأمونا على ما سمع»، وفي المعالم: حُلي بـ: «الفقيه المتعبد».

ويعد صقلاب من الفقهاء الذين جمعوا بين العلم والعمل، كان يقول: «نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم».

وفاته:

مات سنة (193ﻫ)، وفي حسن المحاضرة: توفي عام (191ﻫ).

مصادر الترجمة:

   [طبقات علماء إفريقية لأبي العرب التميمي (ص: 62)، رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضلائهم وأوصافهم (1/230)، معالم الإيمان للدباغ (1/315)، الوافي بالوفيات (17/215)، شجرة النور الزكية لمخلوف (ص: 62) [36].

***************

7ـ عنبسة بن خارجة أبو خارجة الغافقي (124 – 210).

اسمه ونسبه:

عنبسة بن خارجة أبو خارجة الغافقي التونسي الصفاقسي، قال ابن شعبان: ويقال أبو خالد أيضاً.

شيوخه وتلاميذه:

من شيوخه: سمع عنبسة من مالك وعليه أكثر اعتماده، وسفيان الثوري والليث واليسع بن حميد وعبد الله بن وهب، والمغيرة ابن عبد الرحمان المخزومي، وسفيان بن عيينة.

من تلاميذه: سمع منه نظراؤه بأفريقية، البهلول بن راشد وغيره.

مكانته في المذهب:

كان عنبسة بن خارجة أحد علماء القيروان الذين جمعوا بين الفقه والحديث، عالما باختلاف العلماء، قال المالكي: «كان شيخاً صالحاً عالماً باختلاف العلماء، مستجاباً متفنناً في العلوم من الحديث والفقه، والعبادة والعربية وغير ذلك».

وقد تبوأ عنبسة مكانة عالية عند نظرائه، فهذا سحنون كان يجله، ويعرف حقه، وإذا سئل بحضرته أحال عليه.

وقال عنه  أبو سعيد بن يونس: «رجل مشهور من أهل المغرب».

 إلا أن عنبسة بن خارجة اهتمت به كتب التراجم عابدا زاهدا أكثر منه فقيها.

مصادر الترجمة:

 [رياض النفوس للمالكي (1/241)، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لعياض (3/318)، لسان الميزان لابن حجر (4/382)].

مؤلفاته:

له: سماع من مالك، قال أبو العرب: «ورأيت لأبي خارجة سماعا من مالك مدونا كسماع عبد الرحمن بن القاسم وأشهب»،  وقال المالكي: «يروي عن مالك غرائب لم تكن عند غيره».

وفاته:

توفي أبو خارجة في ربيع الأخير سنة (210ﻫ)، وهو ابن ست وثمانين سنة.

مصادر الترجمة:

[طبقات علماء إفريقية لأبي العرب (ص: 151)، رياض النفوس (1/247)، ترتيب المدارك (3/317)، لسان الميزان (6/ 239)].

*************

8ـ أسد بن الفرات (ت213ﻫ)

اسمه ونسبه:

هو أسد بن الفرات بن سنان، مولى بني سُلَيْم بن قيس أبو عبد الله، الحراني القيرواني المغربي.

مولده وفاته:

ولد أسد بحران من ديار بكر سنة (145ﻫ).

وتوفي سنة (213ﻫ)، وقيل: غير ذلك. ولما مات قال عمران بن أبي محرز: جاءنا موت أسد فاستعظمه أبي وقال: اليوم مات العلم.

شيوخه وتلاميذه:

من شيوخه: مالك بن أنس بالمشرق، ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وأسد بن عمرو بالعراق، وعلي بن زياد بالقيروان، وعبد الرحمن بن القاسم بمصر.

ومن تلاميذه: القاضي أبو يوسف أخذ عنه الموطأ، وسحنون بن سعيد، وسليمان بن عمران.

مكانته وأثره في المذهب:

يعد أسد بن الفرات من كبار فقهاء أصحاب مالك الإفريقيين، ورواد المذهب المالكي بها، عالما بالمذهبين: المالكي والحنفي، جاء في المدارك: أنه «كان إذا سرد أقوال العراقيين يقول له مشايخ المدنيين: أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله فيسرد أقاويل المدنيين»، وكان «أسد أعلم العراقيين بالقيروان كافة»، فقد كان ابن غانم  يعجبه ويفضله في المشاورة، قال أسد متحدثا عن نفسه: «بعث إلي ابن غانم يشاورني فأجبته، فقال بعدما خرجت: ما أحب أن أشاور في هذا البلد غير هذا الفتى»، وكان أسد إذا جاء باب ابن غانم فقرعه، فقيل: من؟ قال: أسد الفقيه. فيقول ابن غانم: صدق.

وقد حظي أسد بمكانة متميزة عند شيخه مالك، فلما هم أسد بتوديعه والذهاب إلى العراق، قال: دخلت أنا وحارث بن أسد القفصي وغالب صهري على مالك بن أنس لأودعه، فتقدم إليه صاحباي فقال:       «أوصنا يرحمك الله»، فأوصاهما ثم قال لي: أوصيك بتقوى الله والقرآن والمناصحة لهذه الأمة، فلما خرجنا من عنده، قال لي صاحباي: زادك  والله علينا يا أبا عبد الله». فراسة من مالك فيه.

مؤلفاته:

له:  كتاب: «الأسدية» في فقه المالكية، وتسمى «المسائل الأسدية»، وهي عبارة عن مسائل لأبي حنيفة أراد أسد لما رجع من العراق أن يعرف رأي مالك فيها، فأجابه ابن القاسم إلى ما طلب بنص قول مالك، أو بالقياس على قوله، أو باجتهاد منه، وقال فيما شك فيه: احسب وأظن. وليس لهذا الكتاب ذكر الآن.

مصادر الترجمة:

   [طبقات علماء إفريقية لأبي العرب رياض النفوس (1/254)، طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: 146)، ترتيب المدارك (3/305)، سير أعلام النبلاء (10/225)، معالم الإيمان (2/3)، شجرة النور (ص: 62) [37].

بقلم الباحث: عبد القادر الزكاري



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الطبقة الأولى: الحجازيون والعراقيون

 

الطبقة الأولى: المصريون

الطبقة الأولى: الأندلسيون

تقديم نافذة طبقات المالكية

   بعد وفاة الإمام مالك عالم المدينة، وإمام دار الهجرة انتقل فقهه إلى أصحابه وتلاميذه من بعده في مختلف الأمصار والأقطار من أهل الحجاز، وأهل مصر، وأهل إفريقية، وأهل الأندلس، وهؤلاء يشكلون طبقات، كل طبقة تتكون من أعلام، وفي هذه النافذة سنقوم بترجمة علمية موجزة لأعلام هذه الطبقات، وسنسير في ترتيب هذه الطبقات حسب التقسيم الذي سار عليه صاحب "شجرة النور الزكية"، فنبدأ بالطبقة الأولى من أصحاب الإمام مالك والتي هي الطبقة الخامسة في «شجرة النور الزكية».