مؤلفات الفقه العملي

كتاب الأجوبة لمحمد بن سحنون (ت256هـ)
كتاب الأجوبة لمحمد بن سحنون (ت256هـ)

كتاب الأجوبة لمحمد بن سحنون

أبي عبد الله التنوخي القيرواني (ت256ﻫ)

ترجمة المؤلف:

اسمه ونسبه:

   هو محمد بن سحنون عبد السلام بن سعيد بن حبيب أبو عبد الله التنوخي القيرواني، أصله شامي، من حمص، قدم جده القيروان في جند حمص.

شيوخه:

   أخذ ببلده عن أبيه، وبه تفقه، وأخذ عن ابن أبي حسان، وموسى بن معاوية أبي جعفر الصمادحي، وعبد العزيز بن يحيى المدني، وغيرهم، ثم رحل إلى المشرق، فلقي بالمدينة أبا مصعب الزهري، وابن كاسب، وسمع من سلمة بن شبيب.

تلاميذه:

   أخذ عنه ابنه أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون، وابن حبيب موسى بن عبد الرحمن الإفريقي، المعروف بالقطان، وأبو جعفر ابن زياد، ومحمد بن أحمد بن سعدون، وعبد الله بن محمد ابن أبي وليد الأموي، وغيرهم.

منزلته وثناء العلماء عليه:

   كان محمد بن سحنون إماما، فقيها، عالما بالآثار، حافظا، نظارا، خبيرا بمذهب مالك، مفتي القيروان، ولم يكن في عصره أحذق منه في فنون العلم، قال ابن الجزار: «كان ابن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، جامعا لخلال قل ما اجتمعت في غيره من الفقه البارع، والعلم بالأثر والجدل والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز... جيد النظر في الملمات»، وقال ابن أبي دليم: «كان الغالب عليه الفقه، والمناظرة، وكان يحسن الحجة، والذب عن السنة والمذهب».

   وقد جلس ابن سحنون مجلس أبيه بعد موته، وكان يسمع بعض كتب أبيه في حياته، يسمعُها الناس منه قبل خروج أبيه، فإذا خرج أبوه، قعد مع الناس، يسمع معهم من أبيه.

مؤلفاته:

   ألف محمد بن سحنون تآليف كثيرة، منها: المسند في الحديث، وكتابه الكبير، ورسالة في أدب المناظرة، وتفسير الموطأ، والرد على أهل البدع، والرد على الشافعي، والرد على أهل العراق، وكتاب الأشربة، وآداب القضاة، وكتاب في الفرائض، وكتاب في الإقرار، وأحكام القرآن، وكتاب في الإمامة، وأجوبة فقهية.

وفاته:

    توفي بالقيروان سنة (256ﻫ)، وبها دفن، فضربت الأخبية على قبره، وأقام الناس فيها شهورا، حتى قامت الأسواق حول قبره، ورثاه غير واحد من الشعراء.

وعند الذهبي في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء: أن وفاته سنة (265ﻫ).

مصادر ترجمته:

ترتيب المدارك (4/204)، الديباج (ص: 333)، تاريخ الإسلام (20/163) سير أعلام النبلاء (13/60)، شجرة النور (ص: 70) [81]، الفكر السامي (ص: 453)، العمر (ص: 588).

كتاب الأجوبة لمحمد بن سحنون:

  كتاب الأجوبة لابن سحنون هو أجوبة فقهية، أجاب بها محمد بن سحنون على أسئلة الفقيه أبي عبد الله محمد بن سالم الأشعري، ويضم الكتاب أكثر من (700) مسألة، موزعة على عشرين فصلا.

   وللكتاب روايتان، رواية مختلطة غير مرتبة الأبواب، منها نسخة فريدة بالمكتبة الوطنية بالرباط، (عدد: 939د)، وأصلها من الزاوية الناصرية بتمكروت.

   أما الرواية الثانية فهي رواية مرتبة الأبواب، مبتدئة بمقدمة، ذُكِرت فيها فصول الكتاب، وهي عشرون فصلا، وتنتهي بخاتمة. وهذه الرواية هي التي انتشرت بين الناس، وتداولها النساخ، فتعددت نسخها، واشتهرت.انظر العمر (ص: 592).

  والنسخة المرتبة هي المطبوعة المتداولة الآن، وقد ورد في مقدمتها، وكذا في خاتمتها تصريح بأن هذه النسخة ناسخة للنسخة المختلطة، وأن الذي هذبها ورتبها هو صاحبها محمد بن سحنون، وذلك بعد موت جامعها ابن سالم، وتصرف بعض الحُسَّاد فيها بالزيادة والتحريف، جاء في مقدمة الكتاب: «... كتاب فيه أجوبة الإمام العالم الأوحد أبي عبد الله محمد بن سحنون ـ رضي الله عنه ـ، وهي النسخة التي هذبها بنفسه قبل موته بعامين، وفصلها عشرين فصلا، فما وجدت من هذه النسخ المختلطة الأسئلة، غير مفصلة، ولا متجانسة، فاعلم أنها من النسخ الفاسدة التي زاد فيه المبطلون ما ليس فيها». (ص: 93). وفي خاتمة الكتاب: «... اعلم ـ وفقك الله، أيها الناظر لما يحبه ويرضاه ـ أن هذا الكتاب المسمى بأجوبة ابن سحنون، قد اعتنى بالبحث عن السؤال عنها، وجمعها وتأليفها، الفقيه الحافظ أبو عبد الله محمد بن سالم الأشعري ـ رحمه الله ـ، للعالم الأجل محمد بن سحنون ـ رضي الله عنه ـ، فكتبها، وكتب عنه، وكثر فيها رغبة الناس، واعتنوا بها، وانتشرت بأيدي الناس، فوقعت بين بعض المبطلين، فأدركتهم الغيرة والحسد، فزين ﴿لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾، فاستدركوا فيها خلافا كثيرا، وزادوا فيها ما ليس للإمام فيها ذكر، ولا يليق به مذهب من المذاهب، وأرادوا كذبا كثيرا، ونسبوه إلى العلماء من الصحابة والتابعين ومالك بن أنس ـ رضي الله عنه ورحمه ـ، وأصحابه، ونظائرهم من علماء الأمصار ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ، فنظر في ذلك أولو الألباب والنهي، من أهل الفضل والتقى، فرفعوا أمرها إلى الإمام محمد بن سحنون بعد موت مؤلفها محمد بن سالم ـ رحمه الله تعالى ـ، فاستحضروها، فأتي بها، ونظر فيها من أولها إلى آخرها، فألفاها على ما ذُكِرت له من الخلل والفساد، فعزم على حرقها، فقيل له: قد انتشرت بأيدي الناس، فلا يمكن ذهابها وزوالها بكليتها، ثم أخذ في تهذيبها وتصحيحها، ورجع هو عن الكثير مما أجاب به محمد بن سالم، وطرح كل ما ليس له فيها سبب، فأمر بكتبها، وتجانس أجوبتها، ورد بعضها إلى بعض، بخلاف التي جمعها وألفها محمد بن سالم، وقد كانت متفرقة الأجوبة على حسب ورود الأسئلة، فكانت بعد التهذيب والتصحيح مفصلة على عشرين فصلا، منها نقلت هذه النسخة.

   فما وجدت غير مفصل، ولا متجانس، والتصحيح على عشرين فصلا، فاعلم أنه من النسخ الفاسدة، فلا تعتمد عليها، ولا تغُش، ولا تعمل بشيء منها، إلا بما وافق المذهب الصحيح. هكذا وجدنا هذه النسخة، من النسخة المكتوبة منها هذه». (ص: 423).

فصول الكتاب:

جاءت فصول الكتاب في عشرين فصلا، وهي غير مرتبة على الترتيب الفقهي المتداول، بل فيها تقديم وتأخير لبعض الفصول، وهي كالتالي:

ـ فصل الشهادات. فصل القضاء. فصل السؤال عن النكاح. فصل الطلاق. فصل البيوع. فصل في الحيازة. فصل الاستحقاق والدعاوي والخصومة. فصل السرقة والحرابة.  فصل السؤال عن الطعام. فصل السؤال عن الأيمان. فصل السؤال عن العدا والجنايات. فصل الصيد والذكاة. فصل السؤال عن الرعاة. فصل الأحباس. فصل الأصول. فصل الدماء والديات. فصل اللقطة. فصل الوضوء والصلاة. فصل الصوم.

ـ الفصل الأخير: فصل جامع. وهذا الفصل يضم حوالي مائة مسألة، وهي مسائل منثورة في مواضع مختلفة وغير مرتبة، أغلب مواضعها مذكورة في الفصول السابقة، مما يدل أن مرتب الكتاب لم يُتم الترتيب والتبويب، أو أن منيته أعجلته عن بلوغ قصده.

اعتماده:

   أجوبة ابن سحنون من الكتب التي لا تعتمد عند أهل المذهب، بل قد حذر العلماء منها، وشككوا في نسبتها لمؤلفها، حتى صنفها البعض مع الكتب الشيطانية الليطانية، قال الهلالي [نور البصر (ص: 130)]: «وقد حذر العلماء من تآليف موجودة بأيدي الناس تنسب إلى الأئمة، ونسبتها باطلة، ففي نوازل الشيخ ابن هلال، حذار من الأجوبة المنسوبة لابن سحنون، وما زال الأشياخ يحذرون الطلبة منها.

   وفي نوازل الشيخ عبد القادر الفاسي ما نصه: قال القوري: أجوبة ابن سحنون لا تجوز الفتوى بما فيها، ولا عمل عليه بوجه من الوجوه... وقد رأيت جميع تلك التآليف، ولا يشبه ما فيها قولا صحيحا»، وقال الحجوي [الفكر السامي (ص: 728)]: «وحذروا من أجوبة محمد بن سحنون، فلا تجوز الفتوى منها بوجه من الوجه»، وقال النابغة الشنقيطي [البوطليحية: الأبيات، (رقم:  117ـ 118ـ 121)، (ص: 131)]:

هذا بيان كتب الشيطان

 

وما من الأقوال لليطان

قد حذروا من كتب منسوبة

 

للعلماء نسبة مكذوبة

إلى أن قال:

ومنه الأجوبة للسحنون

 

فعزوها له من الجنون

مخطوطاته:

   للكتاب نسخ مخطوطة كثيرة، منها: بالمكتبة الوطنية بالرباط، (عدد: 1341د)، وبالخزانة الحسنية بالرباط، (عدد: 6292، 13289، 13422، 13543)، ومكتبة عبد الله جنون، (عدد: 10316)، بعنوان: «الدر المكنون في أجوبة ابن سحنون». وله نسخ أخرى بفاس وتونس والقاهرة وأنقرة ومدريد. انظرها في العمر (ص: 593).

طبعاته:

    طبع كتاب الأجوبة لمحمد بن سحنون بدارسة وتحقيق: ذ حامد العلواني، ط1، سنة 2000م، ط دار سحنون للنشر والتوزيع بتونس، ثم أعيد طبعه سنة 1432ﻫ/ 2011م، ط دار سحنون ودار ابن حزم.

بقلم: الباحث عبد الرحيم اللاوي



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

كتاب الفرائض لأبي بكر بن يونس التميمي الصقلي (ت451ﻫ)

المعيار المعرب، والجامع المغرب، عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب

معين الحكام لإبراهيم بن عبد الرفيع الرَّبَعي التونسي (734ﻫ)

   معين الحكام لابن عبد الرفيع واحد من الكتب التي تنسلك ضمن مؤلفات المالكية في علم القضاء ونوازل الأحكام. وهو ـ كما أخبر محققه ـ: «يمثل حلقة من حلقات سلسلة طويلة من الكتب التي ألفت في موضوعه وجاءت تحمل أسماء مختلفة، مثل الأجوبة، والمسائل، والنوازل، والأحكام لمسمى واحد، وإن اختلف أسلوب عرض مسائلها، فإن محتواها واحد، وهدفها واحد، إذ كلها تجمع أحكاما صادرة عن الفقهاء في مسائل جزئية، ليسهل الأمر على من يأتي بعدهم». [1/127].

نوازل ابن هلال لإبراهيم بن هلال أبي إسحاق السجلماسي (ت903ﻫ)

 كتاب النوازل لابن هلال السجلماسي ينضوي ضمن أهم المؤلفات التي دوَّنها المالكية في النوازل والفتاوى.

والكتاب عبارة عن فتاوى وأجوبة أجاب بها ابن هلال عن مجموعة من الأسئلة والنوازل والقضايا الفقهية، مصحوبة بفتاوى وأجوبة أخرى في نوازل اجتماعية، وغيرها.

المفيد للحُكَّام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام لهشام بن عبد الله الأزدي القرطبي (ت606ﻫ)

   يعد كتاب المفيد للحكام لابن هشام من أهم الكتب في القضاء ونوازل الأحكام، وهو كتاب كبير الحجم، كثير الفروع.

   جمع فيه مؤلفُه أثناء توليه للقضاء المسائلَ التي كانت تُعرض عليه، ويفتي فيها من كتب الفروع والأحكام والقضاء والنوازل، وبعد أن اجتمعت لديه مجموعة من المسائل، ضمها في كتاب، مرتبة على الأبواب، مذيلا لها بكثير من النقول عن أمهات المذهب، مضيفا لها غيرها من مسائل الأحكام. 

الوثائق المجموعة لعبد الله بن فتوح البُونْتي (ت462ﻫ)

   كتاب «الوثائق المجموعة» أحد أهمِّ الكتب الجامعة بين الوثائق والأحكام، وكتب محاضر القضاة وسجلاتهم؛ وقد جمع فيه مؤلفه أربعةَ كتبٍ من كتب أمهات الوثائق والأحكام التي كان عليها معول القضاة والمفتين، وهي: وثائق موسى بن أحمد الوتد (ت377ﻫ)، ووثائق أبي محمد بن أبي زمنين (ت399ﻫ)، ووثائق ابن العطار (ت399ﻫ)، ووثائق ابن الهندي (ت399ﻫ).

   ولم يكن غرض ابن فتوح من كتابه هذا جَمْع كتب من سبقه ونسخها في قرطاس واحد، بل طريقته أقرب إلى الاختصار والترتيب منها إلى الجمع، وقد أراد ابن فتوح أن يجمع ما اتفقوا عليه من وثيقة أو فقه، سواء كان الاتفاق في اللفظ أو المعنى، ويسوقها في سياق واحد، جامعا كل وثيقة إلى شكلها، ثم يتبع ذلك بما اختلفوا فيه، عازيا كل نقل لأصحابه، بإيجاز واختصار غير مخل؛ ليسهل تناول ذلك من كتاب واحد لمن له رغبة في هذا الفن. وأضاف إلى ذلك من قول غيرهم، كمحمد بن عمر بن الفخار.

الإعلام بنوازل الأحكام وقِطر من سِـيَر الحُكّام» لعيسى بن سهل الجياني (ت486ﻫ)

   كتاب «الإعلام بنوازل الأحكام لابن سهل»، ينتمي إلى لون مُهِم من ألوان التأليف والتصنيف، لونٍ له علاقة بواقع الناس ومعاملاتهم، إذ يندرج ضمن مؤلفات الفتاوى والنوازل، بل يعد من أجودها وأحسنها؛ غذ مؤلفه خبير بهذا الفن، حيث كتبه مؤلفه وهو يمارس مهمة القضاء.

   جمع فيه ما جرى على يديه من النوازل والأحكام، أو جرت على يدي بعض الحكام من معاصريه، وقد استطلع فيها رأي من أدركه من الشيوخ والعلماء وأكابر الفقهاء والمشاورين، وقد جمع تلك النوازل والأحكام على حسب وقوعها من غير ترتيب، ثم رتبها بعد ذلك في مصنف، وضم إليها من شكلها حتى تتم بها الفائدة.