أسر علمية مالكية

أسرة ابن رشد

    من الأسر العلمية المالكية التي استفاض خبرها، وانتشر أثرها،  وتسلسل العلم بين أبنائها وأحفادها، أسرة «ابن رشد»، فقلما تفتح كتابا من كتب الفقه المتأخرة عنهم إلا ويطالعك هذا الاسم: (ابن رشد).

   وهي أسرة أَثْرت المذهب المالكي باجتهاداتها وفتاويها ومؤلفاتها، فقد مارست الفتوى والقضاء، والتدريس، وتصدرت الزعامة الفقهية، إضافة إلى أنها من أكثر الأسر وجاهة في الأندلس. ذكرت كتب التراجم والطبقات أن بيتهم كان بيت علم وفقه.

   قال الضبي في ترجمة ولَد أبي الوليد الجد أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد، أبو القاسم (563ﻫ): «من أهل بيت فقه وعلم». بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس (ص: 168).

  وقال ابن فرحون في الديباج في ترجمة أبي القاسم أحمد بن محمد بن رشد ولد الحفيد «كان من بيت علم وجلالة ونباهة». (1/221).

  وقال محمد عبد الله المؤرخ المصري (ت1406ﻫ) في دولة الإسلام في الأندلس: «ابن رشد، وهو سليل بيت من بيوتات العلم والنباهة العريقة بقرطبة». (4/721).

  وكانت هذه الأسرة تقطن سرقسطة من الثغر الأعلى بالأندلس، ثم انتقلت إلى قرطبة من غرب الأندلس فاستقرت بها. [ابن رشد وكتابه المقدمات (ص: 77)].

  وقد نبغ في هذا الأسرة فقهاء، وقضاة، وأطباء، وفلاسفة، بعضهم تخصص في فن واحد، والآخر جمع بينها وغيرها من الفنون الأخرى.

وفيما يلي تعريف موجز بأشهر أعلام هذه الأسرة، وبيان آثارها في المذهب المالكي.

1 ـ عمود الأسرة: ابن رشد والدُ أبي الوليد الفقيه (الجد)

   أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن رشد قرطبي والد أبي الوليد الجد [كان حيا سنة (482ﻫ)].

   حلاه المراكشي بثلاثة أوصاف جامعة لخصال المعرفة والجاه والأخلاق، فقال: «كان من أهل العلم والجلالة والعدالة». 

   لم تحدد مصادر ترجمته سنة وفاته، بل ذكرت أنه كان حيا سنة اثنين وثمانين وأربعمائة (482ﻫ).

مصادر الترجمة:

الذيل والتكملة (1/28)، الديباج المذهب (ص: 111)، [76].

2 ـ ابنه: ابن رشد الفقيه الجد

   ابن رشد الفقيه الجد: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد أبو الوليد القرطبي (ت520ﻫ)

   ولد سنة (455ﻫ)، ومات في ذي القعدة سنة (520ﻫ)، وصلى عليه ابنه أبو القاسم.

  تفقه بأبي جعفر أحمد بن رزق، وحدث عنه، وعن أبي مروان ابن سراج، ومحمد بن خيرة، والحافظ أبي علي الغساني، وابن أبي العافية الجوهري، وأجازه أبو العباس العذري.

  وأخذ عنه ابنه أحمد، والقاضي عياض، وأبو بكر ابن محمد الإشبيلي، وأبو الوليد ابن خيرة، وأبو بكر ابن ميمون، وعمر ابن واجب، وأبو الحسن ابن النعمة، وأجاز ابن بشكوال.

  كان شيخ المالكية، فقيها عالما، حافظا للفقه، مقدما فيه على جميع أهل عصره، عارفا بالفتوى، بصيرا بأقوال أئمة المذهب، زعيم الفقهاء، إليه المرجع في حل المشكلات، متفنناً في العلوم، بصيراً بالأصول والفروع، نافذا في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسة في العلم، والبراعة والفهم، مع الدين والفضل، والوقار والحلم، والسمت الحسن، والهدي الصالح.

  وهو أحد الأربعة الذين اعتمد الشيخ خليل ترجيحهم في مختصره.

  تولى قضاء قرطبة للمرابطين، ثم استعفى للانكباب على تأليف البيان والتحصيل، فأعفي.

مؤلفاته:

   له كتب بالغة النفع، منها: المقدمات الممهدات لما في رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، والبيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، واختصار مختصر المبسوطة ليحيى بن إسحاق بن يحيى بن يحيى لابني أبان ابن أبي عيسى، والمسائل في االفتاوى، وتهذيب كتاب الطحاوي في مشكل الآثار، والتقييد والتقسيم، والمقدمة الفقهية، (جزء في أحكام العبادات).

مصادر ترجمته:

الغنية، (فهرست شيوخ القاضي عياض)، للقاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي أبي الفضل السبتي، تحقيق ذ ماهر زهير جرار، ط1، سنة 1402ﻫ، ط دار الغرب الإسلامي، (ص: 54)، الصلة (ص: 450)، الديباج (ص: 373)، سير أعلام النبلاء (19/501)، شجرة النور (ص: 129) [376]، الفكر السامي (ص: 553)، الأعلام للزركلي (5/316).

3 ـ ابن رشد الأب: ولَد ابن رشد الجد، وأبو الحفيد

  أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن رشد أبو القاسم القرطبي (ت563ﻫ) كناه مخلوف: بأبي العباس.

  وصفه أبو الحسن على بن موسى صاحب المغرب في حلى المغرب بـ«ابن رشد الأكبر». (1/162).

  ولد سنة (487ﻫ).

   أخذ عن والده ابن رشد الفقيه ولازمه طويلا، وبه تفقه، ولازم أبا بكر البطليوسي، وسمع أبا محمد ابن عتاب، وابن مغيث، وابني بقي أبا القاسم وأبا الحسن، وابن العربي، والصدفي، وابن تليد، وجماعة، وأجازه أبو عبد الله ابن الفرج، وأبو علي الغساني، وغيرهما.

   أخذ عنه ابنه أبو الوليد ابن رشد، المعروف بالحفيد، وأبو القاسم ابن مضاء، وغيرهما.

   كان خيرا، فاضلا، عاقلا، ظهر بنفسه وبأُبُوته. وصفه الضبي بقوله: «من أهل بيت فقه وعلم».

   توفي في رمضان سنة (563ﻫ)، ودفن مع سلفه في مقبرة ابن عباس بقرطبة.

 مؤلفاته:

له مؤلفات، منها: شرح على سنن النسائي، وتفسير في أسفار.

مصادر ترجمته:

  الصلة، ومعه صلة الصلة (1/139)، بغية الملتمس (ص: 168)، المغرب في حلى المغرب (1/162)،  شجرة النور (ص: 146) [438].

4 ـ ابن رشد الحفيد

محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن رشد أبو الوليد القرطبي المعروف بابن رشد الحفيد (ت595ﻫ)

ولد قبل موت جده بشهر، سنة (520ﻫ)، وتوفي سنة (595ﻫ).

أخذ عن أبيه، واستظهر عليه الموطأ حفظا، وأخذ الفقه عن أبي القاسم ابن بشكوال، وأبي مروان ابن مسرة، وأبي جعفر ابن عبد العزيز، وأجازه الإمام المازري.

درس الفقه والأصول وعلم الكلام، واستبحر في علوم الأوائل، واشتغل عليها، وخدم مؤلفات أرسطو على الخصوص.

سمع منه ابنه القاضي أحمد، وأبو محمد ابن حوط، وسهل بن مالك، وأبو الربيع ابن سالم، وأبو بكر ابن جهور، وأبو القاسم ابن الطيلسان، وغيرهم.

تولى قضاء قرطبة، ثم امتحن بالنفي إلى مراكش، بعدما اتهمه خصومه بالزندقة والإلحاد، وأحرقت كتبه آخر أيام يعقوب المنصور الموحدي.

كان من أهل العلم والتفنن في المعارف، وكان نابغة عصره، «معتن بتحصيل العلوم أوحد في علم الفقه والخلاف»، أخذ الناس عنه، واعتمدوا عليه، وكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه.

مؤلفاته:

له تآليف تزيد على الستين، منها في الفقه وأصوله:

بداية المجتهد ونهاية المقتصد، واختصار المستصفى في الأصول، المعروف: بالضروري في أصول الفقه، وشرح الحمدانية في الأصول.

مصادر ترجمته:

تاريخ قضاة الأندلس (ص: 111)، الديباج (ص: 378)، سير أعلام النبلاء (21/307)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص: 530)، تكملة الإكمال لمحمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي، المعروف بابن نقطة، تحقيق ذ عبد القيوم بن عبد رب النبي، ط معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، ط1، سنة 1408ﻫ، (2/708)، الوافي بالوفيات (2/81)، شجرة النور (ص: 146) [439].

أبناء ابن رشد الحفيد

ذكر ابن أبي أصيبعة أن أبا الوليد بن رشد الحفيد «خلف أيضا أولادا قد اشتغلوا بالفقه، واستخدموا في قضاء الكور». عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص: 532)لكني لم أعثر منهم إلا على ابنين منهم، وفيما يلي تعريف بهما:

5 ـ ابن الحفيد: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد أبو القاسم القرطبي (ت622ﻫ)

أخذ عن أبيه أبي الوليد، وجده أبي القاسم، وابن بشكوال، وغيرهم.

أخذ عنه أبو القاسم ابن الطيلسان، وغيره.

كان من بيت علم وجلالة ونباهة وحسب في بلده، فقيها، بصيرا بالأحكام، يقظا، ذكي الذهن، سري الهمة، كريم الطبع، حسن الخلق.

ولي القضاء ببعض بلاد الأندلس، فحمدت سيرته.

توفي في رمضان سنة (622ﻫ)، ودفن بروضة سلفه بمقبرة ابن عباس بقرطبة.

مصادر ترجمته:

التكملة لكتاب الصلة، ط بشار عواد معروف (1/217)، الذيل والتكملة (1/375)، تاريخ الإسلام (45/94)، الديباج (ص: 122).

6 ـ عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن رشد أبو محمد. [الولد الثاني لابن رشد الحفيد].

لم يُعْرف كأسلافه بالفقه، وإنما اشتغل بالطب، واعتنى به، وصفه ابن أبي أصيبعة بقوله: «فاضل في صناعة الطب، عالم بها، مشكور في أفعالها، وكان يفد إلى الناصر ويطبه».

وحلاه أيضا في ترجمة أبيه: «وخلف ولدا طبيبا عالما بالصناعة، يقال له: أبو محمد عبد الله».

مؤلفاته:

له: مقالة في حيلة البرء.

مصادر ترجمته:

عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص: 533).

ومن سلالة ابن رشد الحفيد أيضا:

7 ـ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الوليد محمد الحفيد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد أبو القاسم الأموي. المعروف بابن الحفيد.

مولده بسجلماسة، وأصل سلفه من الأندلس، استوطن فاس وأصيلا، وغيرهما من بلدان المغرب.

وهو من سلالة ابن رشد الحفيد، وآخر من عرف بالعلم من هذه الأسرة.

أخذ عنه أبو الوليد إسماعيل بن يوسف المعروف بابن الأحمر.

كان عالما، فقيها، محدثا، عارفا بالتاريخ والأخبار، وله باع طويل في علوم اللغة.

ولاه السلطان أبو فارس عبد العزيز المريني القضاء بمدينة أصيلا.

أما عن وفاته فذكر أبو الوليد إسماعيل بن يوسف المعروف بابن الأحمر (ت807ﻫ) الذي تفرد بترجمته أنه أدركه ورآه.

وعليه، فتكون وفاته في أواخر القرن الثامن أو بداية القرن التاسع الهجري.

مصادر الترجمة:

أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن، تحقيق ذ محمد رضوان الداية، ط مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، سنة 1396ﻫ  ـ 1976م، (ص: 370).

خاتمة:

هذا ما جادَت به علينا كتب الطبقات والتراجم والتاريخ في التعريف بأفراد هذه الأسرة ممن استطعنا التوصل إليهم، والبحث فيهم، ولعل مزيدا من البحث يرشدنا إلى أفراد آخرىن من هذه الأسرة العلمية التي كان لها أثر كبير في حفظ نصوص المذهب، ونشره، والذب عنه.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أسرة اليَعْمُريين (آل ابن فرحون)

أسرة بني يحيى الليثي

   للأسرة العلمية أثر كبير، ودور فعال في نشاط العلم ونشره، خاصة في علمي الفقه والحديث، وقد حفظ لنا التاريخ مجموعة من الأسر  العلمية التي كان لها أثر بالغ في نشر المذاهب الإسلامية، والذب عنها، والانتصار لها.

أسرة آل حماد

    من الأسر العلمية المالكية التي ذاع صيتها في الآفاق، وانتشر خبرها في سائر الأقطار، واشتهرت بكثرة علمائها ومشايخها في العلم والقضاء والسؤدد، "أسرة آل حماد بن زيد"، هذه الأسرة التي تعد من أعظم بيوت العلم والجاه بالعراق، والتي ظلت حاملة لواء العلم هناك، ونشر التراث الإسلامي عموما والمذهب المالكي على وجه الخصوص.

أسرة بني عبد الحكم

   اشتهرت أسرة بني عبد الحكم المالكية بالعلم والفقه، وخلفت تراثا حافلا تزخر به الخزانة المالكية، وتنحدر هذه الأسرة من  عبد الحكم بن أعين بن الليث القرشي (ت171ﻫ)، ثم ولده عبد الله بن عبد الحكم (ت214ﻫ)، وهو أبو باقي أفراد هذه الأسرة، ثم أبناء هذا الأخير، وكلهم من كبار فقهاء المالكية.