مؤلفات الفقه العملي

الإعلام بنوازل الأحكام وقِطر من سِـيَر الحُكّام» لعيسى بن سهل الجياني (ت486ﻫ)

ترجمة المؤلف:

اسمه ونسبه:

هو عيسى بن سهل بن عبد الله أبو الأصبغ الأسدي الجياني الأصل، القرطبي المسكن (ت486ﻫ).

مولده ووفاته:

  ولد عيسى بن سهل سنة (413ﻫ)، كما صرح بذلك صاحب الصلة قال: «مولده سنة ثلاث عشرة وأربع مائة». [الصلة (ص: 349) [946]].

وتوفي مصروفا عن قضاء غرناطة، في المحرم سنة (486ﻫ).

شيوخه:

  أخذ عن أبي محمد مكي ابن أبي طالب، وأبي عبد الله ابن عتاب، ولازمه، وابن القطان وأبي القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، وابن عامر ويحيى القليعي، وأجازه أبو عمر ابن عبد البر.

تلاميذه:

   أخذ عنه جماعة، منهم القاضي أبو محمد ابن منظور وأبو إسحاق ابن جعفر والقاضي أبو عبدالله ابن عيسى التميمي وأبو زيد الصقر، وغيرهم.

مكانته في المذهب وثناء العلماء عليه:

   أطبقت كتبُ الطبقات والتراجم التي تعرضت لترجمة أبي الأصبغ عيسى بن سهل على الثناء عليه، فهذا ابن بشكوال في الصلة يقول: «كان من جلة الفقهاء وكبار العلماء، حافظا للرأي، ذاكرا للمسائل، عارفا بالنوازل، بصيرا بالأحكام، مقدما في معرفتها»، [(ص: 349) [946]]، وحلاه الذهبي بقوله: «كان من جلة الفقهاء الأئمة»، وكان «جيد الفقه»، [الديباج (ص: 282)]، كما وُصِف بـ«الإمام الفقيه الموثق النوازلي الحافظ المشاور».

و«كان ابن عتاب يعلو به، ويثني عليه».

«ولي بقرطبة الشورى وأنابه حاكمها، ودخل سبتة، فنوه بمكانه صاحبُها البرغواطي فرأس فيها».

مؤلفاته:

   له في الأحكام كتاب شهير يعد من أجل كتب المالكية، سماه: «الإعلام بنوازل الأحكام»، وله «شرح الجامع الصحيح للبخاري».

مصادر الترجمة:

الصلة (ص: 349) [946]، ترتيب المدارك (8/183)، سير أعلام النبلاء (19/25)، تاريخ قضاة الأندلس (ص: 96)، الديباج المذهب (ص: 282) [364]، شجرة النور (ص: 122) [349]، الأعلام للزركلي (5/103)، الفقيه القاضي عيسى بن سهل الأسدي الجياني ذ سمير القدوري، مجلة التاريخ العربي عدد: 37، (ص: 324).

التعريف بالكتاب:

  اسم الكتاب: «الإعلام بنوازل الأحكام وقِطر من سِـيَر الحُكّام». كما جاء في بعض نسخ الكتاب الخطية. وبهذا العنوان طبع الكتاب.

وغالبا ما تَسِمُه كتب الطبقات والتراجم، بـ«الإعلام بنوازل الأحكام». [انظر: مصادر الترجمة].

  أما كتب المذهب التي تنقل عنه فتُسَمِّيه اختصاراً: بـ «أحكام ابن سهل»، و«نوازل ابن سهل». [التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (7/532)، شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة (2/343)، التاج والإكليل لمختصر خليل (5/170)، المعيار (2/246)، شفاء الغليل في حل مقفل خليل (1/472)، التاج والإكليل لمختصر خليل (7/376).

  وجاء في المعيار للونشريسي تسميته بـ:«ديوان ابن سهل»، قال: «فانظروه في المسائل الملحقة في آخر ديوان ابن سهل». (5/272).

منهج المؤلف في كتابه:

   كتاب «الإعلام بنوازل الأحكام لابن سهل»، ينتمي إلى لون مُهِم من ألوان التأليف والتصنيف، لونٍ له علاقة بواقع الناس ومعاملاتهم، فهو يندرج ضمن مؤلفات الفتاوى والنوازل،بل يعد من أجودها وأحسنها؛ بوأه هذه المكانة من كون مؤلفه خبيرا بهذا الفن، حيث ألفه وهو يمارس مهمة القضاء.

  جمع فيه ما جرى على يديه من النوازل والأحكام، أو جرت على يدي بعض الحكام من معاصريه، وقد استطلع فيها رأي من أدركه من الشيوخ والعلماء وأكابر الفقهاء والمشاورين، وقد جمع تلك النوازل والأحكام على حسب وقوعها من غير ترتيب، ثم رتبها بعد ذلك في مصنف، وضم إليها من شكلها حتى تتم بها الفائدة.

   وقد ملأ ابن سهل كتابه بنقول فتوى الفقهاء، وأحكام القضاة، كابن لبابة، وابن زرب، وابن زياد، وابن الفخار، وابن القطان، وابن عتاب، وغيرهم.

   وختم ابن سهل كتابه الإعلام بفصل قصير عنونه: بـ:«تسمية الفقهاء وتاريخ وفاتهم»، ضمنه تراجم مختصرة لبعض الفقهاء.

   وعلى عادة المؤلفين افتتح ابن سهل كتابه بمقدمة شاملة عرض فيها منهجه، والغاية من تأليفه فقال: «فإني لجميل صنع الله بي وجليل أفضاله عندي، وحسن عونه لي أيام نظري في القضاء وأحكامه، وزمن تقييدي أحكام غيري من القضاة والحكام، جرت على يدي نوازل استطلعت فيها رأي من أدركت من الشيوخ والعلماء، وانفصلت لدي مسائل كاشفت عنها أكابر الفقهاء... منها ما شافهتهم فيه، ومنها ما كاتبتهم في معانيه.

   وكنت قد علَّقت أكثر ذلك على حسب وقوعه، لا على ترتيبه وتنويعه... ثم إني رأيت أن أضم تلك النوازل إلى نظام، وأجمع تلك المسائل إلى ترسيم والتئام، وجمع أشكالها بعضها إلى بعض... وربما ألفت إلى ذلك من شكله، وجمعت معه من فرعه وأصله ما يكمل به المعنى، وتكون الفائدة معه أقوى.

   ولو لم يفد إلا معرفة نهج الأحكام، وسنن القضاة والحكام في مشاورة الفقهاء، وكيفية المعتاد في ذلك بينهم بقرطبة، حيث كان جمهور العلماء والقدوة، والوقوف على هيئة فتوى المفتين لهم، لكان أكبر مستفادا لمن طلب في تعلمه الازدياد، لأنها طريقة لم تؤخذ إلا منهم، ولا توجد بالإتقان الذي هي عليه إلا عندهم، فكيف وقد ضمنته مسائل لا توجد إلا فيه، ومعاني لا غنى لمستبصر فيها عنه، ولم أخله من رواية تكون حجة، ولا من تنبيه على نكتة أو غفلة... وكان ابتدائي يوم السبت لعشرين خلون من المحرم سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة». [الإعلام بنوازل الأحكام لابن سهل المقدمة من نسخة الخزانة الوطنية بالرباط].

مضمون الكتاب:

   لم يخرج ابن سهل عن النسق الذي سار عليه علماء هذا الفن فيما تَضَمَّنته كتبهم، فإن كان الاختلاف في الترتيب والتبويب، فالمضمون يبقى نفسُه، فكتاب ابن سهل ضَمَّ عدة كتب، وأبواب، ومسائل، وهي بعد المقدمة التي عرض فيها منهجه والغاية من تأليفه: باب في القضاء والأحكام وما يتفرد به القضاة دون غيرهم من الحكام، وباب احتلال القاضي بغير علمه، وباب في المقالات، والشهادات، والحيازة، والوكالات، وذكر الأعذار، والعقلة، والآجال، وباب في عقد التعجيز والعقلة والإعذار ومقالات الإقرار والإنكار وتقييد الشهادات وأدائها عند القضاء والحكام، واختلافهم في الاختيارات فيه، وباب في مسائل  أداء الشهادات ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بها، وباب في الأيمان، والخلطة، وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون به، وباب اليمين مع الشاهد، وباب ما في مسائل المحجور، وجمع الدعاوى في اليمين الواحدة، وباب الوصايا بالأيتام والأموال وصية بفداء من لا طالب له، باب مسائل العتق وادعاء الحرية بين ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأخذ سيديه، وباب النكاح، وباب في الحضانة والنفقات واختلاف الزوجين في متاعه البيت، باب الطلاق وأسبابه،  باب الحلف بالأيمان اللازمة والحنث فيها، وباب في البيوع، وباب العيوب، وكتاب الأقضية، وباب الأقضية والشهادات، وباب الإقرار، وباب الشفعة، وباب ما ينقسم وما لا ينقسم والاختلاف فيه، وباب الصدقات والهبات وشبهها، وباب الحبس ، وباب مسائل الاحتساب.

   إلا أن ابن سهل أضاف في آخر كتابه ببابا مستقلا أفرده لتراجم بعض الأعلام، وَسَمه بـ«تسمية الفقهاء وتاريخ وفاتهم».

مصادر الكتاب:

  كتاب ابن سهل ملئ بالمصادر والآراء، إلا أن هذه المصادر أحيانا يحيل عليها اختصارا بذكر أسماء مؤلفيها من غير أن يصرح بها، وأخرى يصرح باسمها، وهي كثيرة منها: المدونة، والمجموعة، وكتاب ابن حبيب، والمقصود به الواضحة، وأحكام القضاء، أو منهاج القضاة له، وكتاب أدب القضاء لأبي عبد الله محمد بن عبد الحكم، وكتاب أبي بكر بن الوقار، ومقرب ابن أبي زمنين، والوثائق له، وثمانية أبي زيد، ومسائل أبي بكر محمد بن يبقى بن زرب، وأحكام بن زياد، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد، وأحكام ابن بطال، ووثائق ابن الهندي، ووثائق ابن العطار، وكتاب ابن الفخار في الرد عليه...

انظر: الإعلام بنوازل الأحكام، الوثائق والأحكام بالمغرب والأندلس في القرنين الرابع والخامس الهجريين (2/572).

اعتماده في المذهب:

   كَثُرَت تَحْلِيات كتب الطبقات والتراجم لكتاب «الإعلام بنوازل الأحكام لابن سهل»، التي تدل على اعتماده في المذهب، فهذا ابن بشكوال قال فيه: «جمع فيها كتابا حسنا مفيدا يعول الحكام عليه»[ الصلة (2/415)]. ووصفه القاضي عياض بأنه «حسن». [ترتيب المدارك (8/183)]، وقال الهلالي: «من الكتب المعتمدة في المذهب... أحكام ابن سهل». [نور البصر (ص: 132)]، وقال الرجراجي: «الكتب المعتمد عليها كثيرة منها: ... أحكام ابن سهل». [منار السالك (ص: 52)]، وقال مخلوف: «عول عليه شيوخ الفتيا والأحكام». [شجرة النور (ص: 122)].

وقال صاحب الطليحية ناظما للمصادر المعتمدة (ص: 120):

                        واعتمدوا المتيطي والزواوي ***مع ابن سهل عند كل راوي

 وقال صاحب عون المحتسب محمد بن فال التندغي ناظما للكتب المعتمدة في المذهب (ص: 135):

                        أحكام نجل سهل القلشاني *** على رسالة رفيع الشان

إضافة إلى أن النقل عنه كثير، فالمتصفح لكتب المذهب يجدها كثيرة لا تحتاج إلى ذكر أمثلة.

ومما يؤكد قيمة الكتاب أيضا، ما ألف حوله من جهود، مثل:

تنبيهات مقيدة على أحكام ابن سهل، لأبي محمد هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النفزي (ت582ﻫ).[ صلة الصلة: 4/230 (465)].

  واقتضاب السهل في اختصار أحكام ابن سهل لأبي عمران موسى بن أبي علي الزناتي (ت702ﻫ).[مخطوط بخزانة الزاوية الحمزية بالرشيدية عدد: 305/2-717/1 ضمن مجاميع، والخزانة الوطنية (ق742)].

مخطوطاته:

   والكتاب مخطوط له نسخ كثيرة بالمغرب. وقد نشر ذ محمد عبد الوهاب خلاف منه مجموعة نصوص صدرت في ست مجموعات، ثم حقق في رسائل جامعية بالسعودية والمغرب وأوربا،

طبعاته:

طبع ط دار الحديث القاهرة سنة 1427ﻫ، باعتناء ذ يحيى مراد، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الطبعة كثيرة الأخطاء والتصحيفات.

                                                 بقلم الباحث عبد القادر الزكاري



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

كتاب الفرائض لأبي بكر بن يونس التميمي الصقلي (ت451ﻫ)

المعيار المعرب، والجامع المغرب، عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب

معين الحكام لإبراهيم بن عبد الرفيع الرَّبَعي التونسي (734ﻫ)

   معين الحكام لابن عبد الرفيع واحد من الكتب التي تنسلك ضمن مؤلفات المالكية في علم القضاء ونوازل الأحكام. وهو ـ كما أخبر محققه ـ: «يمثل حلقة من حلقات سلسلة طويلة من الكتب التي ألفت في موضوعه وجاءت تحمل أسماء مختلفة، مثل الأجوبة، والمسائل، والنوازل، والأحكام لمسمى واحد، وإن اختلف أسلوب عرض مسائلها، فإن محتواها واحد، وهدفها واحد، إذ كلها تجمع أحكاما صادرة عن الفقهاء في مسائل جزئية، ليسهل الأمر على من يأتي بعدهم». [1/127].

نوازل ابن هلال لإبراهيم بن هلال أبي إسحاق السجلماسي (ت903ﻫ)

 كتاب النوازل لابن هلال السجلماسي ينضوي ضمن أهم المؤلفات التي دوَّنها المالكية في النوازل والفتاوى.

والكتاب عبارة عن فتاوى وأجوبة أجاب بها ابن هلال عن مجموعة من الأسئلة والنوازل والقضايا الفقهية، مصحوبة بفتاوى وأجوبة أخرى في نوازل اجتماعية، وغيرها.

المفيد للحُكَّام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام لهشام بن عبد الله الأزدي القرطبي (ت606ﻫ)

   يعد كتاب المفيد للحكام لابن هشام من أهم الكتب في القضاء ونوازل الأحكام، وهو كتاب كبير الحجم، كثير الفروع.

   جمع فيه مؤلفُه أثناء توليه للقضاء المسائلَ التي كانت تُعرض عليه، ويفتي فيها من كتب الفروع والأحكام والقضاء والنوازل، وبعد أن اجتمعت لديه مجموعة من المسائل، ضمها في كتاب، مرتبة على الأبواب، مذيلا لها بكثير من النقول عن أمهات المذهب، مضيفا لها غيرها من مسائل الأحكام. 

الوثائق المجموعة لعبد الله بن فتوح البُونْتي (ت462ﻫ)

   كتاب «الوثائق المجموعة» أحد أهمِّ الكتب الجامعة بين الوثائق والأحكام، وكتب محاضر القضاة وسجلاتهم؛ وقد جمع فيه مؤلفه أربعةَ كتبٍ من كتب أمهات الوثائق والأحكام التي كان عليها معول القضاة والمفتين، وهي: وثائق موسى بن أحمد الوتد (ت377ﻫ)، ووثائق أبي محمد بن أبي زمنين (ت399ﻫ)، ووثائق ابن العطار (ت399ﻫ)، ووثائق ابن الهندي (ت399ﻫ).

   ولم يكن غرض ابن فتوح من كتابه هذا جَمْع كتب من سبقه ونسخها في قرطاس واحد، بل طريقته أقرب إلى الاختصار والترتيب منها إلى الجمع، وقد أراد ابن فتوح أن يجمع ما اتفقوا عليه من وثيقة أو فقه، سواء كان الاتفاق في اللفظ أو المعنى، ويسوقها في سياق واحد، جامعا كل وثيقة إلى شكلها، ثم يتبع ذلك بما اختلفوا فيه، عازيا كل نقل لأصحابه، بإيجاز واختصار غير مخل؛ ليسهل تناول ذلك من كتاب واحد لمن له رغبة في هذا الفن. وأضاف إلى ذلك من قول غيرهم، كمحمد بن عمر بن الفخار.

منتخب الأحكام لابن أبي زمنين (ت399ﻫ)

   كتاب منتخب الأحكام لابن أبي زمنين كتاب مفيد، وهو من كتب الأحكام المشهورة المعتمدة عند القضاة والمفتين من أهل المذهب، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء، قال عياض: «كتاب المنتخب في الأحكام الذي ظهرت منفعته، وطار بالمشرق والمغرب ذكره» [ترتيب المدارك (7/185)، الديباج (ص: 366)]، وقال الذهبي: «كتاب منتخب الأحكام الذي سار في الأفاق». [تاريخ الإسلام (27/380)].

   ومما يدل على اعتماده وأهميته كثرة النقل عنه، ووجوده المستمر في كتب الفقه العملي المتأخرة عنه.