الأيام الجامعية السادسة

الأيام الجامعية السادسة

بسم الله الرحمن الرحيم

التقرير العام عن الدورة التكوينية في موضوع:

«أساسيات الاشتغال والبحث في الدراسات الشرعية»

اليوم الأول: الجمعة 21 أبريل 2017

الجلسة الصباحية

المسير: د محمد العلمي رئيس مركز البحوث والدراسات

في الفقه المالكي، القنيطرة

المقرر: الباحث عبد القادر الزكاري

انطلقت أشغال الدورة بتلاوة آيات بيِّنات من الذكر الحكيم، تلتها كلمات افتتاحية، على النحو الآتي:

كانت الكلمة الأولى للسيدة عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، الدكتورة رشيدة نافع، استهلتها بشكر مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي ـ القنيطرة على هذه المبادرة، وشعبة الدراسات الإسلامية بالمحمدية التي استضافتها، والرابطة المحمدية للعلماء في شخص أمينها العام، الدكتور أحمد عبادي، وجميع الأساتذة المساعدين له على العمل الجبار الذي يقومون به، والذي يجعل من الإسلام بالمغرب يترسخ بمفهومه المعتدل المنفتح على الآخر، وعلى كل أنواع الفكر، مع الاعتزاز والتشبث بالهوية.

لتنتقل للحديث عن أهمية التكوين بالنسبة للطلبة الباحثين في الدراسات الإسلامية، مؤكِّدة أن التكوين هو رأس الأمر وأسه للباحثين، الذين يمثلون الجيل الصاعد، وبه يمكن تجاوز دعاوى الأدعياء. وفي هذا السياق رحَّبت بالباحثين المستفيدين من الدورة من مختلف الجامعات المغربية.

ثم عرجت على التنويه بموضوع الدورة: «أساسيات الاشتغال والبحث في العلوم الشرعية»، المتجه إلى الجانب التقني والشكلي للباحثين، والذي يزودهم بأدوات الاشتغال، مؤكدة الدعوة لمركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي لإعادة تنظيم دورة علمية أخرى بالمؤسسة في عام مقبل، حتى يحصل التعاون الكامل.

لتختم كلمتها بالدعوة إلى العناية والاهتمام بالعلوم الإنسانية، التي تساعد على فهم المجتمع الذي نعيش فيه، وهي علوم مساعدة للباحثين في العلوم الشرعية، وكذا العناية بموضوعات الساعة، كفقه الأسرة، والأبناك التشاركية، وظاهرة التطرف...

وكانت الكلمة الثانية للسيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، الدكتور أحمد عبادي، ألقاها نيابة عنه الدكتور مولاي مصطفى الهند، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، وعضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء، افتتحها بإبلاغ تحية السيد الأمين العام لجميع المشاركين في الدورة أستاذة وباحثين، واعتذاره عن عدم الحضور بسبب التزام طارئ، مع دعائه الخالص أن تُكلَّل أعمال الدورة بالنجاح والسداد، لينتقل إلى الترحيب بجميع الحاضرين.

بعدها نوَّه الأستاذ بموضوع الدورة: «أساسيات الاشتغال والبحث في الدراسات الشرعية»، في كونه يعكس شيئا أساسيا مفاده: أن العلم بناء وصرح، ولا بد لهذا البناء أن يبنى بشكل سليم حتى تكون نتائجه سليمة، وهذا يقتضي أن يكون الطالب ضابطا لأدواته متمكناً من مناهجه، متفقها في معارفه، وله دراية بمقاصده، مشيرا أن هذا مؤصل موجود في علومنا الإسلامية نتلمسه من عناوينها ومصطلحاتها، كـ: البرهان، والإتقان، والإلماع، والأصول، والموطأ، وكلها تعكس ما نحن بصدد الحديث عنه، وجماع ذلك: أن الحديث عن العلم هو حديث عن غياث الأمم في التياث الظلم، وأن العلم هو المخرج للأمة من هذه الأزمات التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم، وتأتي هذه الدورة العلمية في هذا السياق.

ثم ختم الأستاذ كلمته بالشكر للرابطة المحمدية للعلماء، ومركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة، الراعي لهذه الدورة والمنظِّم لها، ولجميع الأساتذة المشاركين، والطلبة الحاضرين، وكذا عمادة كلية الآداب بالمحمدية.

وأما الكلمة الثالثة، فكانت كلمة تأطيرية وجَّهها الدكتور محمد العلمي، رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي، استهلها بتوجيه الشكر لكل من: السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، الدكتور أحمد عبادي، الذي يحرص على مثل هذه التكوينات لفائدة الطلبة والباحثين رغم كثرة التزاماته، وكذا السيدة عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، التي تكرمت بقبول احتضان هذه التظاهرة العلمية، وكذا الشكر للأستاذين الجليلين: الدكتور محمد السرار، والدكتور عبد الطيف جيلاني، على مشاركتهما في تنظيم هذه الدورة، وللدكتور مصطفى الهند، رئيس ماستر: «العلوم الإسلامية ومقاصدها المنهجية والمعرفية» على تعاونه، ولجميع الباحثين.

ليشير أن هذه الدورة تمثل التظاهرة السادسة في الدورات التي ينظمها المركز مع مختلف الجامعات المغربية، والهدف منها: دعم التكوين، والنهوض بالعمل الجامعي وبالبحث العلمي، وذلك بالرقي بالعنصر البشري الذي هو قوامه وأساسه، ومستقبله.

ونبَّه إلى أن كل التكوينات في أسلاك الماستر تتجه نحو التخصص، والربط مع القضايا الراهنة، وتبقى عند الطلبة نقطٌ سوداء في تكوينهم تتعلق بالنواحي الشكلية للعلوم الشرعية، تشكل أزمة في تكوينهم، مبرزاً أن غرض المركز من هذه التكوينات هو العمل على الرفع من القدرة التحليلية للباحثين، وذلك لا يتأتى إلا بالجمع بين المعرفة والمنهج، والمحتوى والشكل، بحيث تصير للطالب قدرة مزدوجة بين دراسة مطالب العلم من جهة، والإحاطة بسؤالاته المنهجية من جهة أخرى، وعلى معرفة محله من الإعراب داخل الزمن من جهة ثالثة.

ليتوقف مع مشكلة تعانيها الجامعة اليوم في شعب الدراسات الإسلامية والشريعة، مفادها: شيوع أسلوب التكوين على شاكلة معاهد التعليم العتيق ودور القرآن من جهة، وتجرئة الطلبة على النقد المرسل يقوم عليها بعض منتسبي الفكر الإسلامي، معتبراً الأبحاث في سلك الماستر والدكتوراه تشخص فقدان هذا التوازن.

 وأكد على ضرورة الجمع بينهما، منبها أن المنتمي إلى الجامعة ينبغي أن ينظر إلى نفسه أنه طالب علم وباحث في آن واحد، وهذا يعني أن العمل الجامعي والدراسات العليا المرتبطة بالعلوم الشرعية مدعوة إلى إعادة هذا التوازن، وهو السبيل لرفع القدرة التحليلية للطلبة، وإعادة أسئلة البحث العلمي الحقيقة وبرنامجه الصحيح.

ونبه الأستاذ في الختام أن المنطلقات الخطابية والعاطفية، وما يوجد في عالم الإنترنيت من المسطحات التي تسلطت على عقول ناشئتنا في العالم الإسلامي وأفقدت الجسم الإسلامي مناعاته هي أعراض أنتجتها جهات غير جامعية من مقاولات إعلامية وسياسية ممن لا يبالون بما يقولون، مبيناً أن الخطاب الجامعي نقيض لذلك حيث يتسم بالعقلانية والمسؤولية والحكمة مع التربية والتنشئة عليها الأمر الذي يجعل الجامعة تشكل الجهة التي لا يمكن أن يوثق في سواها.

وأكد الأستاذ أن هذا هو الداعي والباعث لتنظيم هذه الدورات، ومنها هذه الدورة السادسة التي خُصصت للطلبة في سلك الماستر ليعرَّفهم السادة العلماء والأساتذة بالميزان الذي يحكم الاشتغال والبحث في العلوم الإسلامية.

ليحثَّ الطلبةَ على الاستفادة من الأساتذة الذين وفدوا إليهم محتسبين الأجر، سائلا الله أن يجازيهم.

ثم ختم بالدعاء أن يجعل الله هذا البلد آمنا مطمئنا، تحت القيادة الراشدة لمولانا أمير المؤمنين، أدام الله عزه ونصره.

المحاضرة الأولى: منارات هادية في الدراسات القرآنية والتفسير،

الدكتور صالح زارة، أستاذ التعليم بكلية والآداب والعلوم الإنسانية،

التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط

قسَّم الأستاذ المحاضر موضوعه إلى مقدمة، وثلاثة محاور، وخاتمة.

أما المقدمة، فتناول فيها أهمية التفسير، إذ هو علم شريف، استمد شرفه من شرف موضوعه ومتعلقه وهو كتاب الله تعالى، ذاكراً في ذلك أيضاً بعض النصوص عن الصحابة والتابعين والعلماء الدَّالة على أهمية هذا العلم، كابن عباس، وسعيد ابن جبير، وابن جرير الطبري، ليؤكد أن التفسير لا بد منه، سواء لخاصة الناس، أو عامتهم؛ من أجل فهم كلام الله تعالى، وتدبر القرآن، والعمل به، والدعوة إليه...

أما المحور الأول من المحاور الثلاثة: فعرض فيه الأستاذ لبعض الاتجاهات المنحرفة في التفسير (التفسير المذموم). ممهداً له بالإشارة إلى أن الاختلاف في التفسير ظاهرةٌ سليمة، مستشهدا ببعض النصوص على أهمية معرفة الاختلاف؛ مُنبها إلى أن المراد الاختلافُ المحمود لا المذموم، واختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.

ليعرض لنماذج من التفسيرات المنحرفة، ذاكراً فيها ما يلي:

أولا ـ التفسير المعتمد على الأحاديث الموضوعة: بين فيها الأستاذ أن الوضع هو في الحديث الشريف، ومنه تسرب إلى مرويات التفسير. ثم عرض نماذج من الموضوعات في التفسير كـ: فضائل السور، مبيناً أنه لم يصح منها إلا القليل، قال الإمام أحمد: ثلاثة لا أصل لها، وذكر منها: الفضائل .وأنه قد ذكرها واستشهد بها عدد لا بأس به من المفسرين، وأن هناك من يفتتح بها، وهناك من يختم بها.

ومن نماذج الموضوعات في أسباب النزول التي عرض الأستاذ لها للتمثيل، قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، وقصة الغرانيق، معلقا عليهما أنهما قصتان معروفتان مشهورتان، ثبت عدم صحتهما.

ويدخل في الموضوعات موضوعات في توجيه معاني الآيات، كقصة الذبيح، ما المقصود به في قوله تعالى: ﴿قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾؟ وقوله تعالى: ﴿وتعيها أذن واعية﴾.

وختم الأستاذ الحديث عن هذه الموضوعات بالتحذير من أثرها الخطير في توسيع الخلاف والهوة بين المسلمين؛ متسائلا: كيف تطمئن على تفسير أُسُّه وأصله مبني على الموضوعات، وما بني على باطل فهو باطل.

ثانيا ـ الإسرائليات، طرح الأستاذ السؤال: كيف نتعامل معها؟ وما أنواعها وأصنافها؟ ذاكراً أن هناك بعض الدعوات تدعو إلى التخلص منها نهائيا، معلقاً أنه أمر صعب؛ لأن فيه حديثاً: «حدثوا عن بني إسرائيل...».

وأشار إلى أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ ما أقره الإسلام، وهو لا اختلاف فيه. 2 ـ ما أنكره الإسلام، وشهد بكذبه. 3 ـ ما لم يقره الإسلام ولم ينكره، فهذا القسم يتوقف فيه، معقبا أنه لو استطعنا أن نتجنبه لكان أفضل.

ونبه على أن هناك بعض العلماء كان لهم موقف صارم مع هذه الإسرائليات، كرشيد رضا، حيث بالغ في الرد عليها، ولم يذكر منها شيئا، وكذلك سيد قطب.

ولتزويد الطلبة بمنارات هادية ـ كما أشار المحاضر ـ ختم حديثه عن الإسرائيليات بذكر بعض المراجع التي درستها منها: الإسرائليات والموضوعات في كتب التفسير لمحمد أبي شهبة، والإسرائيليات في التفسير لمحمد الذهبي.

ثالثا ـ اللغة الشاذة: بين الأستاذ المحاضر أن القرآن نزل بلسان عربي، فلغته عربية، ثم أضيف له وصفٌ، وهو: المبين، كما قال تعالى: ﴿تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا...﴾، إلا أن اللغة فيها الصحيح والسقيم، والوحشي، والشاذ... وأن المفسر مهمته البيان، كما قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس...﴾، والبيان باللغة، لكن ليس بالشاذ منها.

ليعرض بعض النماذج من اللغة الشاذة، مثل «يعصرون» في قوله تعالى: ﴿عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾. هل المراد يعصرون من العصر، أم ينجون؟ وأن التفسير الأول، هو الصواب، أما القول الثاني، فهو شاذ بعيد، فلا ينبغي الاستشهاد به، وكذلك قوله: «مبصرة»، والتي فسرت بـ:جعل "مبصرة" من الإبصار بالعين، وهذا خلاف المراد، إذ المراد: آية واضحة.

وأما المحور الثاني: فذكر فيه الأستاذ بعض قواعد التفسير، مثل قاعدة: تحكيم الرسم عند الاختلاف، كاختلافهم في إعراب «لا» في قوله تعالى ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، هل هي نافية، أم ناهية؟

ثم تحدث أخيراً عن دور القراءات في كونها أحيانا: تبين المعنى، وتارة توسعه، وأخرى تزيل الإشكال.

وقد كان عامل الوقت حائلا دون حديث الأستاذ عن المحور الثالث، الذي هو: منارات هادية في الدراسات القرآنية، وإن كان أشار إليه في الإجابة عن أسئلة الباحثين.

وأما الخاتمة، فحثَّ فيها على العناية بالتفسير، في إطار مؤسساتي، كالجامعة وغيرها.

ثم فُتح المجال للمناقشة، حيث قدم الطلبة الباحثون مجموعة من الأسئلة بعضها شفهية، والأخرى كتابية، فأجاب عنها الأستاذ.

المحاضرة الثانية: منهج التفسير بين فقه المراجعة وسؤال المنهج،

 الدكتور أحمد نصري، أستاذ التعليم العالي بكلية والآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية،

التابعة لجامعة الحسن الثاني

مهد الأستاذ المحاضر مداخلته بالحديث عن عناية العلماء قديما وحديثا بكتاب الله تعالى تفسيرا وتأويلا، وتأليفا، مشيرا أن هذه التفاسير تختلف من حيث المنهج والتعامل من تفسير لآخر، فمنها ما امتاز ببيان المعنى الإجمالي للآيات، ومنها ما اتجه نحو بيان التناسب بين الآيات والسور، ومنها ما غلب عليه الجانب البلاغي واللغوي، ومنها ما سلك فيها أصحابها التفسير بالمأثور، وأخرى التفسير بالرأي، وفضلت أخرى تقرير الأحكام الفقهية، موضحا أن الباحث عن معنى آية من الآيات عليه الالتجاء إلى كل هذه التفاسير.

معقبا بأن هذه التفاسير لا تخلو من ملاحظات، كـ:

1ـ حشو التفاسير بعلوم أخرى.

2ـ تأثير تحيزات المفسر في تفسير الآيات، ومحاولة صرف الآيات نصرة لمذهبه.

ثم عرج على تقسيم الدكتور محمد حسين الذهبي للتفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، وتفسير فقهي، مبينا أن هذا التقسيم لا ضابط له؛ إذ التفاسير بالمأثور تضم كثيرا من الآراء، والأحكام الفقهية، والعكس.

ثم ختم بذكر بعض القواعد المنهجية التي يجب أن تتوفر في تفسير القرآن:

1ـ التجرد من النزعات والأهواء.

2ـ الابتعاد عن إخضاع القرآن للحقائق العلمية.

3ـ العناية بهدايات القرآن الكريم، عقدية كانت، أو اجتماعية.

4ـ أوجه الحقيقة في القرآن الكريم، يجب أن يتوقف المفسر عن الخوض فيها.

5ـ وجوب قيام علاقة محكمة بين المعقول والمنقول.

6ـ مراعاة الأولوية في الاحتجاج.

7ـ مراعاة السياق القرآني للآيات لما قبلها وما بعدها، مع معرفة البيئة التي نزلت فيها.

8ـ اجتناب معارضة أصل من أصول الدين.

9ـ لابد من وضع قواعد تمكن المفسر من استثمار التفسير خير استثمار.

10ـ يجب أن يعلم أنه لا يتصدى إلا من استجمع العلوم التالية: أولا: المعرفة باللغة. ثانيا: العلم بالنحو. ثالثا: العلم بالصرف. رابعا: العلم بالاشتقاق. خامسا: العلم بأنواع البلاغة. سادسا: العلم بالقراءات. سابعا: العلم بأصول الدين. ثامنا: العلم بأسباب النزول. تاسعا: العلم بالناسخ والمنسوخ. عاشرا: العلم بالفقه.

الجلسة المسائية

المحاضرة الثالثة بعنوان: «قواعد أساسية لدراسة الاختلاف في العلوم الشرعية»،

الدكتور محمد بلحسان، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية،

بجامعة ابن طفيل، القنيطرة.

المسير: الدكتور أحمد نصري. المقرر الباحث: فؤاد القطاري

قسم الأستاذ موضوع المحاضرة إلى قسمين:

القسم الأول: ست مقدمات في الاختلاف عموما. والقسم الثاني: عشر قواعد في الاختلاف المعتبر.

فأما المقدمات، فهي كالآتي:

المقدمة الأولى: تحدث فيها عن اهتمام المالكية بأسباب الاختلاف، مشيرا إلى حوزهم قصب السبق في هذا الموضوع تارة، وانفرادهم فيه تارة أخرى.

فأما ما حازوا فيه قصب السبق، فهو تعليل الاختلاف، ولعل أول من عُني بالتعليل هو ابن أبي زيد القيرواني (ت386ﻫ)؛ إذ كان سباقا إلى ذكر أسباب الاختلاف، ثم تلاه ابن حزم (454ﻫ) من الظاهرية، مرورا بالبطليوسي المالكي (ت520ﻫ) الذي يعد كتابه: «الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم» أول المؤلفات المفردة في هذا الموضوع، في حين نجد المذاهب الأخرى اهتمت بالموضوع في فترة متأخرة، فنجد الحنابلة مثلا ألفوا في الموضوع في القرن الثامن الهجري مع ابن تيمية وابن قيم الجوزية.

وأما الجانب الذي انفرد به المالكية في الاختلاف، فهو الشق التطبيقي، وبالتحديد التأصيل لتدبير الاختلاف، لا سيما مع الباجي (ت474ﻫ)، واللخمي (ت478ﻫ)، مرورا بابن بشير (ت بعد 526ﻫ)، والمازري (ت536ﻫ)، وابن رشد الحفيد (ت595ﻫ)، وانتهاء بـ: أبي الحسن الرجراجي (ت ق7هـ).

المقدمة الثانية: الاختلاف في العلوم الشرعية مقصود، والدليل على ذلك اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في فهم السنة النبوية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليهم ذلك، فضلا عن تشريع العمل بالأدلة الظنية مثل القياس، فلو لم يكن الاختلاف مشروعا وجائزا لما جاز العمل بالأدلة الظنية؛ لأنها تؤدي إلى الاختلاف حتما. وهذا عكس القانون الوضعي، فإن الاختلاف فيه غير مقصود، ولذلك غالبا ما يعقب القانون بنصوص استدراكية.

المقدمة الثالثة: الاختلاف في العلوم الشرعية مبني على أدلة وأصول معتبرة؛ وليس ناتجا عن الهوى والتشهي، والنصوص الشاهدة لذلك من أقوال الأئمة كثيرة، أما الأمثلة التطبيقية، فهي أكثر من أن تحصى.

المقدمة الرابعة: لا اختلاف في القطعيات، كالاختلاف في أصول الدين، وأصول العبادات والمعاملات، وإنما الاختلاف في الفروع فقط.

المقدمة الخامسة: المقلد غير معني بالاختلاف، فالناس قسمان: مقلد ومجتهد، وهناك من يجعل القسمة ثلاثية، والغاية أنه لا معنى لإدخال المقلد العامي في الاختلاف.

المقدمة السادسة: الاختلاف على قسمين: معتبر وغير معتبر، محمود ومذموم. والاختلاف المعتبر: هو الصادر عن العلماء العدول، والمبني على الأدلة الشرعية المعتبرة. والاختلاف غير المعتبر أنواع متعددة وكثيرة، منها: الاختلاف الصادر عن غير أهله، والقول المخالف للقطعيات، والخلاف القائم على الهوى والتشهي، وغيرها.

وهذه الأنواع من الخلاف لا يعتد بها ولا يلتفت إليها، ولا تندرج في أغراض هذه المحاضرة، بل المقصود الأسمى منها هو الاختلاف المعتبر:

أما القسم الثاني، فذكر فيه عشر قواعد ترتبط به، وتحدد معالم التعامل معه، وهي كالآتي:

القاعدة الأولى: التأكد من الاختلاف، هل هو حقيقي أو متوهم؟ لأنه إذا كانت بعض المؤلفات نُسبت لغير أهلها عن قصد، أو عن غير قصد؛ فلأن تنسب أقوال إلى قوم هم منها براء لهو أسهل وأيسر.

ويندرج في الاختلاف المتوهم: الاختلاف اللفظي، واختلاف التنوع، واختلاف التصور، وغيرها، مثل: الاختلاف في صيغ الأذان، والتشهد في الصلاة، وكذا عدد التسليمات، والاختلاف بين الأحناف والجمهور في الواجب.

القاعدة الثانية: الاختلاف المعتبر لا قطع فيه ولا حسم، وفي هذه الحالة نتمسك بالراجح، ومنه قول الشافعي رحمه الله: «قولي صحيح يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب».

القاعدة الثالثة: المخالف لا يُبدَّع ولا يفسق، فمن كان أهلا للاجتهاد، وكان لاجتهاده حظ من النظر، فلا يبدع ولا يفسق، بل يحترم رأيه ولا ينكر عليه.

القاعدة الرابعة: كل مجتهد مأجور، أصاب أو أخطأ، وهذا لا يعني أن كل مجتهد مصيب.

القاعدة الخامسة: التضحية بالفروع من أجل الأصول، فلا يدفعنا الاختلاف في الفروع الفقهية إلى التشتت والتشرذم، بل نتمسك بالأصول المتفق عليها، ولا نتفرق على أساس الاختلاف في الفروع، ويندرج في هذا التمسك بالمذهب الواحد في الفروع الفقهية؛ تجنبا للبلبلة والتشويش على العامة.

القاعدة السادسة: لا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر، هذه القاعدة قد يستغلها بعض الناس في الاعتراض على إنكار المنكر، ولذلك تقيد بالاختلاف المعتبر، وهناك من يعبر عن هذه القاعدة بـ: «لا إنكار في مسائل الاجتهاد».

القاعدة السابعة: لا احتجاج بالاختلاف؛ إذ لا يمكن تنزيل الاختلاف منزلة الدليل، فالاختلاف يستدل له لابه.

القاعدة الثامنة: الاجتهاد لا ينقض بمثله، أو الظن لا ينقض بالظن، والغرض منها الحفاظ على استقرار العمل بالمسائل الظنية، إذ لو جاز نقض الاجتهاد الأول بالثاني لأدى ذلك إلى التسلسل الذي ينافي الاستقرار.

القاعدة التاسعة: الخروج من الخلاف مستحب، وهي قاعدة مشهورة، ومعناها: أن يسعى المكلف لتبرئة ذمته بالخروج من الخلاف، ومبناها على التورع والاحتياط، والأخذ بالحزم.

القاعدة العاشرة: الأصل العمل بالراجح وترك المرجوح، وهذا من الناحية النظرية يبدو سهلا ويسيرا، لكن من حيث العمل والتطبيق صعب، لأن جل المسائل الفقهية مبنية على غلبة الظن فيصعب فيها الترجيح، وهناك مسائل توقف فيها الفقهاء، مثل الإمام مالك توقف عن الإجابة في حوالي ثمانين مسألة، والإمام أحمد توقف عن أربعين مسألة، وأجاب عن أربعة فقط، وتوقف غيرهما من الأئمة في مسائل عدة. وهؤلاء أئمة كبار، فكيف بمن دونهم؛ لذلك فالترجيح صعب، والواقع يفرض الإجابة الحينية والآنية، وهذا يدفعنا إلى الحديث عن أمر آخر، وهو تدبير الاختلاف. وهو مصطلح جديد لم يستعمله المتقدمون، وإن كانوا قد أصلوا له في كتبهم.

وأساس هذا المصطلح، هو إعطاء الأولوية لجلب المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة المصالح العامة والمرسلة. واختار الأستاذ في تعريفه أنه: تقليب النظر في الخلاف المعتبر من أجل اختيار الأصلح للحفاظ على شمل الأمة.

وهناك قواعد عامة في تدبير الاختلاف، وهي كالآتي:

أولا: حكم الحاكم يرفع الخلاف، والمقصود أن الحاكم يرفع أثر الاختلاف لا الاختلاف من أصله.

ثانيا: العمل بالمشهور عند المالكية، أو ما يقابله في المذاهب الأخرى.

ثالثا: تعيين المفتي.

رابعا: الالتزام بمذهب واحد معين.

خامسا: تقديم قول ابن القاسم على قول غيره عند المالكية، وغيرها من الضوابط والقواعد المعتمدة في تدبير الاختلاف، والتي ضابطها جلب المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة المصلحة المرسلة.

المحاضرة الرابعة: منهج تصنيف مصادر الفقه المالكي

الدكتور محمد العلمي، أستاذ بكلية الحقوق، سلا

ورئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة

المسير: الدكتور أحمد نصري. المقرر الباحث: فؤاد القطاري

استهل الأستاذ حديثه عن موضوع المحاضرة بالتعريج على بعض المبررات الفكرية والعلمية التي تجعل الاهتمام بهذا الموضوع ضروريا، ذاكرا منها:

ـ الأحكام الخاطئة على الفقه الإسلامي، الذي هو مركز وعي الأمة، فقد تعرض للتنكيل من طرف بعض الدارسين في بدايات عهد الاستعمار في العالم الإسلامي، لا سيما المصريون وبعض التونسيين والمغاربة، وذلك أن الاستعمار الفرنسي الإنجليزي لما قرر قطع صلة الشريعة بواقع الناس، صاحبها بنوع من الدعاية المغرضة ضد الفقه الإسلامي، فكال له جملة من الأوصاف القدحية التي تنفر منه طورا، والعمل على حصره في زاوية الدراسة التاريخية في المقررات الجامعية طورا آخر.

وقد استحضر الأستاذ بعض النماذج لتلك الأحكام الخاطئة، كتقسيم الفقه الإسلامي إلى مراحل الطفولة والنمو والشيخوخة، لدى الأستاذ الحجوي، مبديا اعتراضه على هذا التقسيم رغم جلالة الفقيه الحجوي وكتابه؛ لأن هناك شواهد كثيرة تبطل نظريته التي ربما استفادها من ثقافته الفرنسية، ومنبها في الوقت نفسه على أن التسليم به وتبنيه يعد مدخلا إلى القول بانتهاء صلاحية الفقه الإسلامي، والاستعاضة عنه بالقانون الوضعي. وهذه تهمة عامة للفقه الإسلامي.

أضف إلى ذلك اتهام الفقه المالكي بمخالفة الدليل تارة، أو إهماله وعدم الاحتفال به تارة أخرى.

 ولذلك اقترح الأستاذ نظرية بديلة في التعامل مع التراث الفقهي، أساسها الانطلاق من الجزء إلى الكل لا العكس. مشيرا إلى أنه انطلاقا من دراسة المؤلفات وتصنيفها وتبويبها وتأريخها يمكن أن نصل إلى النظرية العامة.

ثم شرع الأستاذ في الموضوع منوها إلى أن تصنيف المؤلفات الفقهية اهتم به الأقدمون، لا سيما المتأخرون منهم، وهناك عدد كبير من العلماء حاولوا تصنيف العلوم عموما والفقه خصوصا، تجلى ذلك فيما يلي: في تقسيمات على أساس ثلاثة معايير:

المعيار الأول: معيار الحجم:

تنقسم المصنفات الفقهية بهذا المعيار إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المبسوطات، والقسم الثاني: المتوسطات، والقسم الثالث: المختصرات.

ثم أشار إلى أن مصطلح المختصر هو أكثر هذه الثلاثة استعمالا في الفقه، ثم المبسوطات، أما المتوسطات فهي أقل الثلاثة ورودا في وصف المصنفات. وذكر أمثلة على استعمال العلماء وأصحاب التراجم لهذه المصطلحات.

 يضاف إلى هذا عند المتأخرين قسم من المختصرات أكثر اختصارا، يقع بين المختصر والبرنامج يسمى الخلاصة، أو المقدمة.

وهذه المصطلحات، وإن كانت مستعملة عند العلماء غير أنهم لم يعتمدوها للتفريق بين علوم الفقه المصنفة؛ لأن التفريق بالحجم ليس معيارا منهجيا، ولا مرجعا للتقويم للكتب، بقدر ما هو معيار كمي مستند إلى الحجم والجرم. لذلك فهذا التقسيم ثانوي في الفقه قاصر على وصف أحجام المصنفات.

المعيار الثاني: معيار الصفة العلمية، ونوع الإضافة الفنية إلى العلم الواحد، وبهذا تنقسم المصنفات إلى سبعة أقسام وفق ما جعله الناس مقاصد للتأليف، لا ينبغي الخروج عليها، وهي:

1ـ ابتكار موضوع جديد لم يسبق مؤلفه إليه.

2ـ شرح المستغلق من مؤلفات من سبق.

3ـ تصحيح غلط من سبق. مثل: التبصرة لابن الفخار الأندلسي محمد بن عمر أبي عبد الله (ت419ﻫ)، تعقب فيه على ابن أبي زيد في الرسالة عدة مسائل.

4ـ تتميم مسائل ناقصة من علم معين. مثل منظومة المعلم وما عليه.

5ـ ترتيب مسائل علم مختلطة عند من سبق. مثل كتاب عقد الجواهر الثمينة لابن شاس، هدفه ترتيب مسائل المذهب، مقتديا في ذلك بالوجيز للغزالي.

6ـ جمع علم من علوم متفرقة. مثل مقدمة ابن خلدون.

7ـ اختصار المطولات. وهو كثير. وقد كان هدفا مركزيا في المذاهب الفقهية منذ نشأتها: المزني ـ البرادعي ـ الحاكم الشهيد ـ الخرقي.

وهذا المعيار نقله ابن حزم عمن سبقه، وتبناه عامة المتأخرين، كابن خلدون، وحاجي خليفة، وغيرهما، وهو معيار مشترك بين كل العلوم، وهو القسمة المنطقية التي يحتملها الجهد البشري في أي مجال من العلوم، لكنه لا يختص بالفقه اختصاصا وانفرادا.

المعيار الثالث: المعيار الفقهي:

وذلك حسب الفنون الفقهية التي اعتبرها العلماء مستقلة على نحو ما؛ لأن علوم الفقه مرتبطة ببعضها البعض، قد تتمايز فيما بينها حسب: المنهج والقواعد، أو الموضوع والمحتوى، أو التبويب وطريقة الترتيب.

أهمية التقسيم الفقهي للمصنفات الفقهية وفوائده: 

1ـ يمكننا من رصد أوجه التطور العلمي لمدارس الفقه، والمجالات التي استعمرت حيزا أكبر أو اقتصرت على حيز أضيق من الاهتمام. وسيخلصنا من الآراء الجاهزة التي سيطرت على عدد من الباحثين في تاريخ الفقه.

2ـ أن كل علم من علوم الفقه يختص بمجموعة من القواعد الأصولية والطرق الفقهية عن المجموعة الأخرى.

3ـ أن المفتي لا يسعه الإفتاء بكل ما ألفه علماء مذهبه، بل يتعين عليه الإفتاء بمجموعة معينة من المؤلفات.

4ـ أن المصادر المعتمدة في الاجتهاد المطلق والنظر التام تترتب بعد كتب التقيد بمذهب معين من حيث الرتبة الزمنية، والترتيب الفقهي للاجتهاد.

ثم ذكر وهناك تقسيمات لعلوم الفقه، نقتصر منها على تقسيمين:

ـ أولا: تقسيم حاجي خليفة عن طاش كبري زاده، صاحب مفتاح السعادة، وذكر منها خمسة فروع، هي: 1ـ علم الفتاوى، 2ـ علم القضاء، 3ـ علم الشروط والسجلات، 4ـ علم الفرائض، 5ـ علم حكم الشرائع.

ـ ثانيا: تقسيم الزركشي في كتابه المنثور، وجعله عشرة أقسام وفروع، وهي: 1-أحكام الحوادث، 2- الجمع والفرق، 3- بناء المسائل، 4- المطارحات، 5- المغالطات، 6- الممتحنات، 7- الألغاز، 8- الحيل، 9- معرفة الأفراد، 10-معرفة الضوابط.

ثم ذ كر بعض الملحوظات على هذه التقسيمات، منها:

ـ أن صاحب مفتاح السعادة اعتمد في تقسيمه على علوم الفقه العملي والاجتهاد التطبيقي خصوصا في المذهب الحنفي، ولذلك أهمل من تقسيمه علوم النظر الفقهي والحجة، كالفروق، والقواعد، وأحكام القرآن، والحديث، ومسائل الخلاف.

ـ أما الزركشي فقد عكس، بحيث أهمل علوم الفقه العملي كالقضاء، والسياسة الشرعية، والوثائق. وركز على واقع الفقه في مجالس الدرس في زمانه، ولذلك كرر ذكر مسائل الامتحان الفقهي للطلاب، وبين العلماء؛ إذ المطارحات، والمغالطات، والممتحنات، والألغاز، فن واحد على التحقيق، كثر بين العلماء خصوصا في القرن السابع فما بعده.

بعد أن ذكر الأستاذ المحاضر هذه التقسيمات للعلوم وناقشها، ذكر التقسيم الذي توصل إليه، وهو تقسيم مناسب لعلوم الفقه.

أولا: جرد علوم الفقه المصنفة، وهي:

العلوم الفقهية: 1ـ السماعات 2ـ المتون 3ـ الجهود على المتون من شروح وحواش وتعاليق وتقاييد وطرر 4ـ النوازل والفتاوى والأجوبة 5ـ علم القضاء ومسائل الأحكام 6ـ الوثائق والشروط والمحاضر والسجلات 7ـ العمليات 8ـ السياسة الشرعية 9ـ الأموال 10ـ الحسبة 11ـ الأجزاء والمسائل المفردة 12ـ التوقيت 13ـ المناسك 14ـ الفرائض 15ـ أحكام القرآن 16ـ متون أحكام الحديث 17ـ الشروح الفقهية لكتب السنة 18ـ أصول الفقه 19ـ القواعد الفقهية والفروق والأشباه والنظائر 20ـ الردود على المذاهب الأخرى والذب عن المذهب ومناقب الإمام المتبوع 21ـ مسائل الخلاف 22ـ الإجماع والاختلاف.

تجتمع كل العلوم الفقهية وتنسلك في ثلاث شعب أمهات:

الشعبة الأولى: المتون الفقهية الجامعة للمسائل والفروع

الشعبة الثانية: فنون الفقه العملي والتطبيقي

الشعبة الثالثة: فنون النظر والحجة والتأصيل

النوع الأول: المتون الفقهية الجامعة للمسائل والأحكام

وهي في المذهب المالكي على الترتيب التالي:

1ـ الأسمعة/السماعات، وتشمل الروايات [عن مالك]، والأقوال [عن تلاميذه].

ميزاتها: 1ـ أنها مختلطة [غير مبوبة وغير مرتبة فقهيا]. 2ـ أنها مجردة عن الحجج والأدلة. 3ـ أن منها تألفت أمهات المذهب المعروفة.

2ـ المتون الفقهية، وهي نوعان:

أـ متون فقهية صنفت السماعات، وبوبتها، واستشهدت لها، وهذا غالب حال أمهات المذهب المتقدمة كالدواوين والأمهات.

ب ـ متون جمعت من متون سابقة لها، وهذه منها: مبسوطات، ومتوسطات، ومختصرات، وخلاصات، ومنها: منظومات، ومنثورات، وهي تعتمد حسب توفرها على شروط الاعتماد في كل مذهب.

3ـ الجهود الفقهية على المتون، وهي أنواع ثلاثة: أـ شروح. ب ـ حواش، وغالبها يكون على شروح سبقتها. ج ـ طرر، وهي تعليقات العلماء على نسخهم من كتب درسوها للطلبة أو اشتغلوا عليها. دـ تقاييد وتعاليق، وكثيرا ما تكون أمالي في مجالس الدرس.

وتتميز الجهود الفقهية في المذهب المالكي بما يلي:

ـ تحتوي الروايات والأقوال والتخريجات وحتى بعض النوازل.

ـ لشروح متون المذهب المالكي طريقتان:

الطريقة العراقية: تقوم على التعليل. الطريقة القيروانية: تقوم على مراعاة الألفاظ والنصوص. وهذه الأخيرة هي المعتمدة عند المالكية إلى اليوم.

النوع الثاني: فنون الفقه العملي والتطبيقي:

وهي العلوم المتعلقة بالنواحي العملية، وتطبيق الأحكام الشرعية في الإفتاء، والقضاء، وما إليه من مجالات الحياة، وهي كما يلي:

1 - السياسة الشرعية، والأموال، والسير. 2- الحسبة، وأحكام السوق. 3- مسائل الأحكام، وأصول القضاء. 4- الوثائق، والشروط، والمحاضر، والسجلات. 5- النوازل والفتاوى. 6- الأجزاء الفقهية، والنوازل المفردة، كالطهارة، والزكاة والأنكحة، والبيوع، والأحباس... 7- التوقيت. 8- المناسك. 9- الفرائض.

النوع الثالث: فنون النظر والحجة والتأصيل

 وهي علوم لا تتوجه إلى الناس بالفتوى، ولا إلى المجتمع بالأحكام التي يقصد منها التطبيق الفوري، بل غرضها التأصيل، والتقعيد، والحجة، والنظر، وهي كما يلي:

1ـ كتب أحكام القرآن المتقدمة من مصادر الخلاف العالي والجدل المذهبي، وعند المتأخرين من مصادر أسباب الاختلاف.

2ـ متون الحديث ذات الغرض الفقهي ليس لها طبيعة مذهبية، ولذلك تجد شروحا لعمدة المقدسي وهو حنبلي من طرف المالكية.

 3ـ شروح المتون الحديثية، كشروح البخاري، ومسلم، وباقي الأربعة.

4ـ كتب أصول الفقه على طريقة الفقهاء، ككتاب الباجي، وكتاب مفتاح الوصول.

5ـ القواعد الفقهية والفروق، وهي كتب: الكليات، الفروع، الأشباه والنظائر.

6ـ الردود على المذاهب المخالفة، والذب عن المذهب ومناقب الإمام،

7ـ مسائل الخلاف/ الخلافيات، وهي نوعان:

8ـ المناظرات، والألغاز، والممتحنات، والعويصات.

ثم أبرز الأستاذ جملة من الملحوحظات على التقسيم المتوصل إليه، وهي كالتالي:

ـ الملاحظة الأولى:

ـ هذا التقسيم الذي تحصل بعد النظر في المصنفات الفقهية هو تقسيم مشترك بين كل المذاهب الإسلامية على العموم، مع بعض التفصيلات الجزئية والتفردات التي تختص بها بعض المذاهب دون البعض. كتفرد المذهب المالكي بفقه العمل الذي لا يوجد مثله في المذاهب الفقهية الأخرى، في حين اختص المذهب الحنفي بـ: فن الحيل الشرعية والمخارج من المضايق.

ـ المطارحات والألغاز والأحاجي استعارها الفقهاء من علم النحو ومن الفرائض خاصة في العصور المتأخرة، وتندرج تحت علم المناظرة تسامحا وتوسعا...

ـ الملاحظة الثانية:

يوجد بين المذاهب الفقهية بعض الفروق في بعض الإطلاقات والألقاب العلمية في التصنيف الفقهي، منها:

ـ الأمالي، التي ترادف التعاليق، إلا أن الأولى اصطلاح الحنفية، والثانية اصطلاح الشافعية الذين ساعدهم المالكية عليهم، واستعملوه دون الأمالي.

ـ النوازل، يعبر عنها الحنفية بالواقعات والفتاوى، ويعبرون عن المحاضر بالسجلات.

ـ كتاب الجامع، اختص به المالكية.

ـ الملاحظة الثالثة: أن كل مجموعة من علوم الفقه تختص بقواعد مختلفة:

ـ المتون: تحتوي أمرين: الأقوال والروايات، والتخريج والاستقراء المعتمد عليها، فالأقوال والروايات عن مالك تخضع لضوابط الرواية.

ـ علوم النظر: خاصة بالتطلع إلى منصب الاجتهاد، وذلك بدراية الأدلة والاستبحار في الأصول ومعرفة الإجماع والاختلاف.

ـ علوم العمل: تعنى بالقواعد الاجتماعية، وبتنفيذ الأحكام، والعمل بالقانون الإسلامي.

ـ الملاحظة الرابعة: أن هذا التقسيم لا يعني القطيعة المنهجية بين علوم الفقه، بل علوم الفقه متداخلة، ومتكاملة فيما بينها، فهناك مؤلفات في علوم النظر، ربما اعتمدت في علوم الفقه العملي، كبعض كتب القواعد، التي ألفت لمعونة الفقهاء والقضاء، مثل المنهج المنتخب، وكاعتماد القضاة والنوازليين أسلوب المناظرة، وكبعض كتب أدب القاضي التي تحتوي مناقشات لقواعد أصولية.

الملاحظة 5: تتعلق بعلوم الفقه في المذهب المالكي:

ـ المتون الفقهية شركة بين كل مدارس المذهب المالكي، والشروح أيضا، إلا أن الحواشي المعتمدة جلها مغربي ومصري.

ـ منهج دراسة المتون الفقهية هو المنهج القروي المبني على الولاء للمتن ولقواعد الألفاظ، ثم لقواعد القياس في التخريج.

ـ علوم النظر المرجع فيه في المذهب المالكي إلى مالكية العراق.

ـ علوم العمل والتطبيق المرجع فيه إلى مالكية الأندلس ثم المغرب.

وتطرق الأستاذ في ختام محاضرته إلى «المؤلفات المالكية في سياق المكتبة الفقهية«، مبرزا ما يلي:

1 ـ أول كتاب ألف الفقه وجعله أبوابا وحرر صاحبه فيه الرواية والفقه هو موطأ مالك، والحنفية يقولون هو أبو حنيفة، ولكن الموجود الآن هو الموطأ.

2ـ المالكية مدينون في تبويب مسائل مذهبهم للحنفية/الأسدية.

3ـ تأثر متأخرو المالكية بالشافعية في تبويب المسائل/ الوجيز للغزالي.

4ـ لا يعترف المذهب إلا بما ينسبه إليه أهله، أما ما ينسبه إليه غير أهله فلا.

 [رد المالكية على الجويني نسبته لمالك أن يقول بقتل ثلثي الأمة لاستصلاح الثلث. وعلى  نسبة الماوردي لمالك أنه يقول بنفوذ قضاء الأعمى].

5ـ لا يوجد كتاب معتمد من متون المذهب إلا باختصاره أو شرحه أو حاشيته.

6ـ أحكام القرآن علم مالكي فاق فيه المذاهب الفقهية الأخرى.

7ـ كتب الأحكام شركة بين المذاهب الأخرى، وقال المتأخرون عن أهم ما ألف المالكية فيها، وهو الأحكام الوسطى لعبد الحق إنها كافية لمن أراد بلوغ درجة الاجتهاد.

8ـ شروح كتب السنة التي ألف المالكية معتمدة عند المذاهب الأخرى، حتى قيل: لو نزع من فتح الباري شروح المغاربة لبقي جملة أوراق قليلة.

9ـ المالكية في أصول الفقه تبع للشافعية رغم وجود كبار الأصوليين في مذهب مالك.

 10ـ فروق القرافي هو المصنف الأعظم في القواعد عند المالكية، والناس في فلكه دائرون.

11ـ المقاصد شركة بين المالكية والشافعية، فالعز والجويني معتمد عند المالكية، والقرافي والشاطبي معتمد عند الشافعية وغيرهم.

12ـ لا يوجد عند المالكية الخلاف المجرد، أي تجريد الخلاف بين مذهبهم ومذهب آخر معين. كما لا يوجد عندهم الاستدلال بالنافي والمقتضي، وإنما عندهم الاستدلال بتفاصيل الأدلة في كتبهم الخلافيات.

13ـ أوسع كتاب مالكي في الخلاف هو عيون الأدلة.

14ـ اختص المالكية من دون غيرهم ببيان أسباب الاختلاف: ابن أبي زيد ـ ابن بشير ـ اللخمي ـ المازري ـ ابن الصائغ ـ الرجراجي ـ ابن رشد ـ ابن الفرس ـ ابن جزي ـ ابن السيد.

15ـ لا يوجد في الإسلام نظير لبداية المجتهد، ولكنه ليس كتاب مذهب ولا إفتاء.

16ـ الردود على المذاهب الفقهية من طرف المالكية قليل، وهو متفرع عن ردود المذاهب على مالك.

17ـ الذب عن المذهب قليل عند المالكية، وهو تابع للرد على الناقضين للمذهب.

18ـ الخلافيات عند المالكية ضعيف مقارنة بالحنفية والشافعية الذين لهم أصول وتقاليد وتراث كبير فيها.

19ـ النوازل صناعة مغربية أندلسية، وأهم كتبها المعيار والمازوني والبرزلي والوزاني والعلمي

20 ـ الأصل في النوازل ألا تتعرض للمذاهب إلا لمقصد علمي أو ديني كبحث عن رخصة أو تصحيح لواقعة.

21 ـ نوازل الأحكام تطورت في خطة الشورى بالأندلس. ومنها تأسست أحكام علم القضاء.

22 ـ تبصرة الحكام من أعظم كتب القضاء في المذهب ومن أجودها عل صعيد المذاهب الفقهية

23 ـ المؤلفات القضائية التي ضمت ما جرى به العمل في مذهب مالك نوعان: الأول: مؤلفات المتقدمين، مثل فصول الأحكام، وما جرى به العمل عندهم هو المشهور في الغالب. والثاني:مؤلفات المتأخرين خصوصا بعد القرن العاشر، حيث أصبح ما جرى به العمل هو العدول عن المشهور لعادة أو مصلحة أو عموم بلوى...

24ـ النوازل أنواع: هناك من أفتى وجمعت أجوبته ورتبت وخدمت، وهناك من ألف نوازله، وهناك من ألف نوازل نفسه ونوازل غيره.

25 ـ هـناك جهد مهم في خدمة كتب النوازل، ولكن عامة المؤلفات المعتمدة هي الكتب المؤلفة، أما الجهود فلم تعتمد غالبا.

26 ـ من خواص المذهب أن الهلالي نوازله معتمدة، وكتابه الدر النثير الذي جمع فيه الهلالي نوازل أبي الحسن الصغير معتمد أيضا.

27 ـ يعد المذهب المالكي في علوم العمل والتطبيق تابعا للطريقة الأندلسية خصوصا في القضاء والنوازل.

28 ـ لا يوجد عند مالكية العراق أي مؤلف في النوازل ولا في الوثائق والشروط ولا في محاضر القضاة وسجلاتهم.

29 ـ في المقابل هم أصحاب المعلى والرقيب في علوم النظر: أصول الفقه ـ مسائل الخلاف ـ الردود على المذاهب الأخرى ـ أحكام القرآن. وكل من جاء بعد انقراض المذهب في العراق وبرز في هذه العلوم فهو تبع لهم محسوب عليهم، كالباجي، والطرطوشي، وابن العربي، ولذلك وصف عياض الباجي: بأنه كان على طريق النظار من البغداديين.

اليوم الثاني: السبت 22 أبريل 2017

الحصة الصباحية

المحاضرة الخامسة: فقه الحديث مناهجه ومكتبته

الدكتور محمد السرار، أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة، فاس،

ورئيس مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة، بالعرائش

المسير: الدكتور عبد العزيز الكارتي. المقرر الباحث: عبد الرحيم اللاوي

حصر الأستاذ المحاضر محاضرته في تمهيد، وأربعة محاور.

التمهيد: خصه للتدليل على أن أهل الحديث كانوا أكثر العلماء ميلا إلى تأصيل علومهم من الحديث نفسه، كالبخاري مثلا، أصَّل لكثير من المصطلحات وقضايا أخرى من علم الحديث من الحديث نفسه، كقوله: باب الحرص على الحديث، وذلك مأخوذ من قوله ﷺ: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث». فللحديث معنيان، المعنى الأول: معنى لغوي، وهو: حديث، ضد قديم، ومطلق الخبر. ومعنا اصطلاحي، وهو الذي قصده النبي ﷺ. كما أخذ أهل الحديث مصطلح: المعروف والمنكر من حديث: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم... وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم». بل استلهموا حتى التصنيف في بعض المواضع من الحديث نفسه، كالتصنيف في الأربعن، فهو مبني على حديث.

* المحور الأول: التصنيف عند المحدثين على أربعة أصناف:

بين المحاضر أن المحدثين سلكوا في تصانيفهم أربعة مسالك:

ـ المسلك الأول: التصنيف على المسانيد، معقبا أن الصناعة الحديثية في هذا التصنيف أظهر. المسلك الثاني: التصنيف على العلل، معقبا أنه تصنيف صعب. المسلك الثالث: التصنيف على الحروف، أي: ترتيب الأحاديث على حروف المعجم، كالجامع الكبير والصغير للسيوطي. المسلك الرابع: التصنيف على الموضوعات، مبينا أن هذا المسلك أشهر أنواع التصنيف. ويمثل باكورة التصنيف في فقه الحديث، إذ التبويب والتراجم، هي بمثابة فقه مستنبط من الأحاديث التي تذكر تحتها، ومن هذا صنف ابن خزيمة من أصحاب الشافعي، وجعل بعضهم البخاري شافعيا أيضا من خلال تراجمه.

مشيرا أن البخاري سلك في كتابه مسلكين، كانا سببا في ترجيح المغاربة لصحيح مسلم، وهما: 1ـ تقطيع الحديث. 2ـ تكراره. والحامل له على هذا هو فقه الحديث.

ليبين الأستاذ المحاضر أن استخراج فقه الحديث من الكتب المبوبة له طريقتان:

ـ الأولى: ذكر فقه الحديث قبل الحديث بالترجمة عليه، وقد اشتهر: أن فقه البخاري في تراجمه.

ـ الثانية: ذكر فقه الحديث بعد الحديث، كالتعليق عليه، مشيرا أنه صنيع ابن خزيمة في صحيحه.

* المحور الثاني: الكتب المصنفة في شروح الحديث:

أشار الأستاذ المحاضر أن المحدثين قسموا الحديث من حيث القبول والرد إلى: مقبول، وغير مقبول، وأن المقبول عندهم قسمان: ما يعمل به، وما لا يعمل به.

وبين أن ما يعمل به، وهو أنواع: 

ـ الأول: المحكم: وهو ما لا يقبل النسخ، وليس له معارض. وأغلب السنة من هذا الباب.

ـ الثاني: الأحاديث التي يعارضها مثلها، أي في القوة، فإن أمكن الجمع، فهو مختلف الحديث.

ـ الثالث: مشكل الحديث، حديث لا يعارضه غيره، لكنه غير واضح في معناه، ومحل الغموض فيه ليس من جهة غرابة اللفظ.

ـ الرابع: غريب الحديث، حديث لا يعارضه غيره، لكنه غير واضح في لفظه.

والباحث في فقه الحديث لا بد أن يرجع إلى كتب الغريب والمشكل، موضحا أن كتب غريب الحديث تتنوع إلى أنواع:

الأول: كتب خاصة بشرح غريب كتاب معين، مثل كتب غريب الموطإ.

ـ الثاني: كتب عامة دون تقييد بكتاب بعينه، ككتاب غريب الحديث لابن سلام، المغيث في غريب القرآن والحديث للمديني، وكتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير.

ويلحق بكتب الغريب كتب الإعراب، وهي تتنوع أيضا إلى نوعين:

ـ الأول: كتب عامة، كإعراب الحديث للعكبري. الثاني: كتب خاصة، كإعراب البخاري.

* المحور الثالث: كتب شروح الحديث: وهي أربعة أصناف:

ـ الصنف الأول: شروح الكتب الأصول: وهو كثير، ويقع الشرح على كتاب واحد، أو كتب.

ـ الصنف الثاني: شروح كتب أحاديث الأحكام: والغرض من هذه الشروح اختصار الطريق على الفقهاء، كشروح عمدة الأحكام، لابن مرزوق، وابن الفاكهاني.

ـ الصنف الثالث: شروح كتب الأحاديث القصار، أو الأحاديث الجامعة، كشروح كتاب الشهاب القضاعي، وشروح الأربعين النووية.

ـ الصنف الرابع: شروح أحاديث مفردة: وهو كثير جدا، ولو جمعت عناوين هذا الصنف لجاء العمل في مجلد، ومن أمثال ذلك: شرح حديث أم زرع، وحديث أسماء الله الحسنى، وحديث ذي اليدين.

* المحور الرابع: منهج التأليف عند شراح الحديث:

وبين أن شراح الحديث لهم منهجان في التأليف، منهج المتقديم: وعامة كتبهم ميالة للاختصار، وخدمة المشكل. ومنهج المتأخرين: يعرضون في شروحهم لكل شيء، من الاعتناء باختلاف الرواة، والألفاظ، والحديث عن التراجم، ويمكن التمثيل لذلك بابن حجر العسقلان في فتح الباري.

ولهذا السبب جاءت كتب المتأخرين أطول، وفيها تحقيقات لا توجد عند المتقدمين، ويبتدئون شروحهم غالبا بالكلام على التراجم، ثم الإسناد، فمتن الحديث، لفظة لفظة، ويختمون بالأحكام والآداب.

المحاضرة السادسة: خريطة علوم الحديث، الدكتور عبد اللطيف جيلاني

أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق،

جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء

ورئيس مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرباط

المسير: الدكتور عبد العزيز الكارتي. المقرر الباحث: طه فطناسي

وطأ الأستاذ المحاضر مداخلته بمقدمة أكد فيها على ضرورة حضور المنهج الخرائطي في العلوم، فالخريطة في أصل اللغة هي وعاء من جلد، وعند الجغرافيين وسيلة لمعرفة مواضع البلدان، والمقصود بالخريطة في هذه المداخلة هو تصنيف علوم الحديث ضمن هيكل ونظام معين يوضح الصورة العامة لهذا العلم، ومن هنا جاءت تسمية هذه المحاضرة بـ(خريطة علوم الحديث).

وأشار الأستاذ المحاضر إلى أن الخريطة العامة للعلوم ممن اعتنى بها ابن الأكفاني، الذي أجمل العلوم في (68) علما، وحاجي خليفة أجملها في (300) علم.

وذكر الأستاذ المحاضر أن داخل كل علم تقسيمات، ومن أشهر التقسيمات داخل علم الحديث، تقسيمه إلى علم رواية وعلم دراية، فالأول يختص بكل ما هو نقلي، أما الثاني فخاص بجانب النقد الحديثي، إلا أن هذا التقسيم قد ظهر متأخراً، فعلوم الحديث بدأت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استمرت مع الصحابة، وامتد ذلك إلى زمن التابعين.

ليؤكد الأستاذ المحاضر أن بداية ظهور علم الحديث، كوعي وعلم، بدأ في القرن الثاني للهجرة، خاصة مع الشافعي في كتابه: الرسالة، الذي يعتبر الباكورة الأولى لعلم الحديث، فمن هنا وبعد الشافعي بدأت خريطة علوم الحديث تتسع.

لينتقل بعدها للحديث عن التصنيف في علوم الحديث، وأنها لم تظهر الحاجة في أول الأمر لإفراد التصنيف في علم الحديث، بل كانت مباحث هذا العلم تدرج في مقدمات الكتب، كمقدمة صحيح مسلم، والترمذي الذي خصص آخر كتابه للحديث عن علل الحديث، واستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن جاء الرامهرمزي (ت360هـ)، فألف كتابه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وهو أول مؤلف وضع في علوم الحديث.

وبعد هذه المرحلة ألف الحاكم النيسابوري (ت405هـ) كتابه: معرفة علوم الحديث، الذي أسس به لمنهجية علوم الحديث، فقد جمع فيه شتات هذا العلم وصاغه في قالب محدد، حيث بلغ فيه إلى 52 نوعاً من علوم الحديث.

لينبه المحاضر الباحثين إلى ضرورة العودة إلى معاقل العلوم وأصولها، لحاجة البحث العلمي لذلك.

ثم تحدث بعد ذلك المحاضر عن صنيع ابن الصلاح، الذي بلغ أنواع علوم الحديث 65 نوعاً، فكان عمله استكمالاً لمن قبله، وبعد ابن الصلاح، اشتغل بعلوم الحديث أعلام كثر، أشهرهم الحافظ ابن حجر، وكان عملهم استكمالاً لعمل ابن الصلاح،

فالزركشي استدرك على ابن الصلاح 23 نوعا من علوم الحديث، وسراج الدين البلقيني استدرك على ابن الصلاح أيضا 5 أنواع، ليأتي بعدهم السيوطي، فأضاف 28 نوعا على الأنواع السابقة.

منبها على أن هذه الأعمال لا تعد تكرارا لما سبق، بل فيها روح من التجديد، فالمتأخر دوما مستدرك على المتقدم.

وفي الأخير أشاد الأستاذ المحاضر بالخريطة الحديثية التي رسمها ابن حجر في متنه الشهير: نخبة الفكر، فقد بنى متنه على الخبر، مقسما له إلى: متواتر وآحاد، وانطلاقا من هذا التقسيم، استمر في تعداد أنواع علوم الحديث، والتي حصرها في 105 نوعاً من علوم الحديث، لينبه أن ابن حجر نهج تقسيما عقليا في تقسيم أنواع علوم الحديث، على عكس التقسيم الاستقرائي، الذي نهجه من قبله الحاكم النيسابوري، والخطيب البغدادي.

المحاضرة السابعة: التفسير المقاصدي للقرآن الكريم،

الدكتور فريد شكري، أستاذ التعليم العالي بكلية والآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية،

التابعة لجامعة الحسن الثاني

المسير: الدكتور عبد العزيز الكارتي. المقرر الباحث: عبد القادر الزكاري

قسم الأستاذ المحاضر مداخلته قسمين: 1 ـ مقدمات ممهدات في التعامل مع القرآن. 2 ـ بيان وتحصيل.

أما المقدمات الممهدات، فتناول فيها مقدمات في التعامل مع القرآن، مجملا ذلك فيما يلي:

* تدبر القرآن، هل هو شأن العلماء المفسرين، أم كل قارئ للقرآن؟ مجيبا: أنه لا ينبغي الخلط بين تفسير القرآن وتدبره، فتفسير القرآن خاص بالعلماء، وتدبره مجال للجميع.

* ثنائية القرب والبعد من القرآن شرط في تدبره؛ لأن القرآن له أبعاد: بعد كوني، وبعد نفسي، وبعد بلاغي، وبعد طبيعي... وقد يصادف بعد القرآن بعد بعض القارئ فينكشف له ما لا ينكشف لغيره.

* ينبغي قراءة القرآن بخلفية الفتح لا بخلفية الختم.

* شرط التعامل مع القرآن التحقق الإنساني والبياني.

لينتقل بعد ذلك إلى القول: إن القرآن له مقاصد وخصائص، فلا ينبغي تفسير القرآن دون معرفة مقاصده وخصائصه، مبينا أنه لا يعقل أن نفسر القرآن دون أن نعرف خصائص المتكلم ومقاصده، ليعرج بالقول: إن مقاصد القرآن متعددة، وقد كتب فيها عدد من العلماء بعضهم عرض لها بشكل مباشر، والآخر عرضها بشكل عرَضي، آتيا في ذلك بنماذج ممن تحدث عنها بشكل مباشر من القدماء كالإمام الغزالي في كتابه: «جواهر القرآن»، مشيرا أنه كتاب تنظيمي واستقرئي لمقاصد القرآن، والإمام برهان الدين البقاعي في مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، وممن تحدث عنها بشكل عرضي نجد تفسير المنار، والشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير، وكذلك إشارات لعبد العظيم الزرقاني، وعبد الله دراز، ومحمد الغزالي في كتابه: المحاور الخمسة للقرآن الكريم، ويوسف القرضاوي في كتابه: كيف نتعامل مع القرآن.

وممن تحدث عنها عمَليا الشيخ الألوسي في روح المعاني، وبديع الزمن النورسي في رسائله.

ليختم هذه المقدمات بالحديث عن مقاصد القرآن تفصيلا، وأشار إلى أنه أكثر من تحدث عن مقاصد القرآن بطريقة استقرائية الدكتور طه جابر العلواني في كتابه مقاصد الشريعة، وقد استخلص مقاصد القرآن في: 1 ـ التوحيد 2 ـ التزكية 3 ـ العمران.

مستخلصا خصائصه في أمرين:

* الإحكام والتفاصيل كما قال تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾. [سورة هود، الآية: 1].

* التصديق والهيمنة.

وأما البيان والتحصيل فتحدث فيه عن التفسير المقاصدي من حيث التعريف والتأليف، وأقسامه وأنواعه، وعن التفسير المقاصدي المنشود.

أما مفهوم مقاصد القرآن، فعرفه بأنه: التفسير بالمقاصد، والتفسير للمقاصد، أي: المقاصد التي نص عليها القرآن وأعلن عنها أو نستنبطها من القرآن، فالتفسير المقاصدي ابتداء للوصول إلى التفسير المقاصدي اهتداء للتفسير المقاصدي انتهاء.

ليقسم التفسير المقاصدي إلى ثلاثة أقسام، مفقود، وموجود، ومنشود، أما المفقود، فدعا الأستاذ المحاضر إلى الاهتمام بالبحث عنه وإخراجه إلى حيز الوجود، وأما التفسير المقاصدي الموجود، فقد دعا الطلبة الباحثين إلى الاهتمام بجمعه واستخراجه من التفاسير، مثل أحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للجصاص، ومفاتيح الغيب للرازي الذي يعتبرا بحرا خزانا للتفسير المقاصدي، أما في العصر الحديث: فمن رواده تفسير المنار لرشيد رضا، والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، والمراغي، وخاتمتهم: الشعراوي.

وأما التفسير المقاصدي المنشود، فاقترح أن تشتغل عليه مؤسسات في مشاريعها العلمية، متسائلا: لماذا غيب البعد المقاصدي عند العلماء في تفاسيرهم، مؤكدا أن تفعيل المقاصد تفعيل لصفة الله تعالى «الحكيم»، مستغربا كون المفسرين اشتغلوا بصفة «العليم» وابتعدوا عن صفة الحكيم.

ليختم مداخلته بتقسيم التفسير المقاصدي إلى: إيجابي وسلبي:

أما الإيجابي فهو إغناء للمعنى وتفعيل للحكم، وتكميل بوسائل العصر لإتمام المراد، أي أنه: إغنائي، تفعيلي، تكميلي.

أما التفسير السلبي: فهو تفسير يحقق الإلغاء مقابل الإغناء، والتعطيل مقابل التفعيل، والتبديل مقابل التكميل، ليشير في خاتمة الختم أن التفسير المقاصدي من وظائفه الترجيح، آتيا بنموذج من تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور.

الحصة المسائية

المحاضرة الثامنة: ملاحظات حول منهجية البحث في العلوم الشرعية،

الدكتور مولاي مصطفى الهند، أستاذ التعليم العالي بكلية والآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية

التابعة لجامعة الحسن الثاني

المسير: الدكتور محمد المنتار. المقرر الباحث: طه فطناسي

افتتح الأستاذ المحاضر عرضه بإشارة اعتبرها مهمة، وهي أن هذه المداخلة تندرج ضمن الشق العملي، سيعرض من خلالها بعض الملاحظات المنهجية حول منهجية البحث في العلوم الشرعية، أجملها في خمس ملاحظات:

الملاحظة الأولى: الإشكال المفاهيمي الخاص بالبحث العلمي: فمن عناصر المقدمة الضرورية، والتي لا ينبغي الاستغناء عنها ذكر المنهج المعتمد في البحث، فلا بد للباحث من ذكر المنهج المعتمد في بحثه، ويتبع ذلك في جميع أطوار بحثه. ثم ساق الأستاذ المحاضر نماذج من المتقدمين الذين اعتمدوا مناهج في مؤلفاتهم، وذكر منهم الإمام الطبري الذي اعتمد المنهج التحليلي في تفسيره.

ورأى الأستاذ المحاضر أن مناهج البحث والاعتماد عليها في صياغته غائبة في البحوث الجامعية، ويرجع السبب في ذلك لجهل الباحثين بهذه المناهج.

الملاحظة الثانية: تتعلق بالباحث، فالباحث لابد أن تتوفر فيه مجموعة من الخصائص، من أهمها:

أولا: الخاصية العلمية، وهي أن يلتزم الطالب بمنهجية البحث العلمي دون تأثر بشيء آخر.

ثانيا: الخاصية الأخلاقية، فالباحث لا بد أن تتوفر فيه الأمانة العلمية.

ثالثا: الخاصية البحثية، أن الباحث يصاحبه السؤال أينما حل وارتحل.

الملاحظة الثالثة: وهي الفقه المقاصدي للمنهج، ومثَّل لذلك بالترجمة للأعلام في البحوث الجامعية، فأغلب الباحثين حين تعرضهم لترجمة عَلَم من الأعلام، فإنهم يذكرون اسمه، ونسبه، وعقيدته، ومذهبه، ومناصبه، ومؤلفاته، وهذا خطأ منهجي، فلابد للباحث أن يحصر دائرة الترجمة بما هو مرتبط بموضوع بحثه. ممثلا لذلك بكتاب: «موقف ابن تيمية من الأشاعرة»، لعبد الرحمن بن صالح المحمود، فقد ترجم لأبي الحسن الأشعري في 80 صفحة، وابن تيمية في 170 صفحة، ومجموع الترجمة في كتابه 230 صفحة، أي أكثر من ثلثي الكتاب.

الملاحظة الرابعة: التعامل مع المادة ذات الصبغة العلمية، فلابد للباحث أن يعتبر هنا مجموعة من الخصال من أهمها:

أولا: فقه المصطلح، فلابد للباحث أن يضبط المصطلحات المتعلقة بالمادة العلمية موضوع البحث.

ثانيا: اعتبار مراحل حياة المؤلف، فأول حياة المؤلف ليست كوسطها أو آخرها.

ثالثا: مراعاة المراجعات العلمية التي قد تحصل للمؤلف في حياته.

رابعا: تفهم الكلام حسب الدلائل عند المؤلفين.

خامسا: مراعاة موارد الكلام.

الملاحظة الخامسة: وهي متعلقة بتحقيق التراث، فلابد للباحث من التأكد من نسبة المخطوط قيد التحقيق إلى صاحبه، وأن يعرف العصر الذي نسخت فيه المخطوطة.

الملاحظة السادسة: وهي متعلق بشخصية الباحث، فلا بد للباحث من أن يسلم من خوارم المروءة، فحضور الأنا عند الباحثين وخاصة في سلك الماستر أمر غير مطلوب، فالباحث في سلك الماستر يلزم منه التعمق في المادة العلمية، وفي أسلاك علمية أعلى يطلب منه حضور الأنا في بحثه، خاصة في بحوث الدكتوراة.

المحاضرة التاسعة: مقدمات ضرورية لدراسة التوحيد وعلم الكلام،

الدكتور عبد القادر بيطار، أستاذ التعليم العالي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية،

جامعة محمد الأول، وجدة

المسير: الدكتور محمد المنتار. المقرر الباحث: عبد الرحيم اللاوي

استهل الأستاذ محاضرته ببيان أهمية العقيدة، مشيرا أن القرآن المكي اهتم اهتماما كبيرا ببناء العقيدة، ذاكرا أن ستمائة آية حسب الرازي لبيان الأحكام، والباقي للعقائد، مبرزا أن الصحابة لم يختلفوا في أصول العقائد، وإن اختلفوا في مسائل أخرى.

لينتقل إلى إيراد تعاريف بعض العلماء لعلم الكلام، كالفرابي، والإيجي، وبين أن الفرابي حاول أن يعرف علم الكلام، وذكر تعريفا طويلا وغامضا عن علم الكلام، حتى ربما لا تستطيع فهم معناه منه.

أما الإيجي، فعرف علم الكلام: بأنه علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبهة.

ليميز بين علم الكلام وعلم التوحيد، والعقائد، في أن علم الكلام يقصد به الرد على الشبهات، والمحاجة، ويطلق على الجهد العقلي الذي أنتجه المسلمون.

أما علم التوحيد، فيطلق على العلم بالعقائد المحررة. فالعقائد ثابتة لا خلاف فيها، كصفة الكلام مثلا، الكل يؤمن بأن الله متكلم، أما تفسير الكلام، وكيف هو، فهذا ما اختلف فيه.

ثم أردف الأستاذ المحاضر بالحديث عن اختلاف العلماء في علم الكلام، مدحا أو ذما، فاستحسنه بعضهم كأبي الحسن الأشعري، وألف في ذلك رسالة سماها: استحسان الخوض في علم الكلام، وحرمه بعضهم، كابن قدامة، الذي ألفه فيه كتاب: تحريم النظر في علم الكلام.

منبها أن علم الكلام الذي أنكره هؤلاء العلماء ليس على إطلاقه، إنما هو علم الكلام الذي أنشأه المبتدعة، أما علم الكلام الذي شيده أهل السنة والجماعة، ويمكن الاصطلاح عليه بعلم الكلام السني، فالخوض فيه ليس محرما.

مختتما محاضرته بذكر مناهج التصنيف في علم الكلام، مصنفا إياها إلى مستويات ثلاث:

ـ المستوى الأول: كتب اشتغلت بالرد على الشبه، وهي كتب كُتِبت للعلماء، مثل: أبكار الأفكار في أصول الدين للآمدي، المواقف في علم الكلام للإيجي...

ـ المستوى الثاني: كتب تقتصر على ذكر العقائد مع أدلتها، ومنها: كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، وجوهرة التوحيد.

ـ المستوى الثالث: كتب سرد العقائد وبيانها بدون ذكر أدلتها، كمقدمة الرسالة لابن أبي زيد القيرواني.

المحاضرة الختامية: أصول الفقه ومقاصد الشريعة: قراءة منهجية في الحدية والموضوعية،

الدكتور عبد الحميد العلمي، أستاذ التعليم العالي بدار الحديث الحسنية

المسير الدكتور: محمد المنتار. المقرر الباحث: فؤاد القطاري

افتتح الأستاذ محاضرته بجملة من القواعد المنهجية في التعامل مع النصوص الشرعية، مشيرا إلى أن المحاضرة تروم بيان الأغراض الأصولية من العملية الاجتهادية، وهذا ما يعبر عنه بالتقاء العلمين: أصول الفقه والمقاصد في الاستمداد والثمرة. موضحا أن  اعتمادَ الغرض الأصولي  في طلب واستدعاء تلك المعاني على المباحث الأصلية والتبعية في علم أصول الفقه بابُها الألفاظ، ومن هنا يجب على الناظر في شرع الله أن يكون حاذقا باللغة العربية، وأن يقف عند ما حده البيان، وأن لا يزيد، آتيا بقاعدة: «إن زاد فعليه ما زاد».

ثم شرع الأستاذ المحاضر في تفصيل بعض الأغراض الأصولية في العمَلية الاجتهادية،  ذاكرا منها ما يلي:

ـ ردُّ دعوى من ينادي بإحياء السنن دون الرجوع إلى الأصول الفقهية (وذكر هنا مسألة عدد التكبيرات في صلاة الجنازة).

ـ إذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عملان في مسألة واحدة، من غير قيام النكير، فالأصل فيه عدم الدخول في الخلاف. (وذكر مثال حكم سلام الخطيب على الناس يوم الجمعة هل يسلم على الناس عند الخروج إليهم أو بعد صعوده للمنبر).

ـ ومن الأغراض الأصولية الاجتهادية المشتركة بين علمي الأصول والمقاصد قضية العقل والنقل، مبرزا أن الحديث عن ثنائية العقل والنقل في علمي الأصول والمقاصد هي قضية محسومة تحدث عنها الأصوليون والمقاصديون، مفادها: أن الشرع قدم العقل على النقل في الابتداء، كما قدم النقل على العقل في التسليم لله. كما أشار إلى ضرورة التمييز  بين ما هو قدري وما هو تشريعي؛ مذكِّرا أنه بفضل هذا التمييز حل إشكال تعليل الأحكام بين النافين والمثبتين.

ليدخل إلى صلب الموضوع محددا معالمَه في قضية تحتها مسألتان:

أما القضية فأساسها: العلاقة بين علمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة. مبرزاً أنها لا تخرج عن ثلاثة أقوال:

1ـ المقاصد علم قائم بذاته. (الطاهر ابن عاشور).

2 ـ أنها مبحث من مباحث علم أصول الفقه.

3 ـ أنها شطر متمم للعمارة الأصولية (الشيخ عبد الله دراز).

ويرى الأستاذ المحاضر أنه بتدقيق النظر نجد الأصوليين تحدثوا عن مقاصد الشريعة، لكن بالعرض لا بالذات، وبالتبع لا بالأصالة، فتحدثوا عنها في مسالك التعليل، وبالتحديد في مسلك المناسبة، مشيرا إلى أن غرضهم من ذلك: ضبط المناسب المرسل. مضيفا أن المقاصد التي تحدثوا عنها هى المقاصد الابتدائية.

وأما المسألتان فلهما تعلق بالحد والموضوع.

أما الحد، وهي المسألة الأولى، فإن الناظر في التعريفات يجد مجموعة من الإشكالات عرضها المحاضر في بعض الإفادات:

الإفادة الأولى: وهي في تعريف أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

فما ورد من تعريفات لأصول الفقه شابتها مجموعة من الإشكالات، وسقطت عليها مجموعة من الاعتراضات، كمن عرف أصول الفقه بقوله: أصول الفقه أدلته، وأصحاب هذا التعريف عرفوا العلم بالذات. وهناك من عرفه بالرسم فقال: أصول الفقه هي الطرق الموصلة إلى استفادة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. لكن التعريف الذي سار عليه المتأخرون، كابن الحاجب، والأسنوي، وابن السبكي، والبيضاوي، قولهم: أصول الفقه معرفة دلائل الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.

أما تعريف علم مقاصد الشريعة، فقبل حديثه عن التعريف انتقد التعريف الرائج في أوساط الباحثين والدارسين وهو قولهم: مقاصد الشريعة هي المعاني والحِكم التي يتغياها الشارع من تشريع الأحكام بما يضمن مصالح الخلق في الدارين. واعتبره تعريفاً ناقصاً غير جامع. ومع ذلك هناك من يتجنى على الشاطبي بأنه لم يعرف المقاصد مع العلم أنه قسمها إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلف. ثم فصل في تقسيم مقاصد الشارع عن الشاطبي مع التمثيل. مفرقا بين القصد الاختياري، والحالي والمآلي... ومعرجا على الفرق بين الرخصة والمستثنى، ملخصا ذلك في كون الرخصة لرفع الحرج عند الداعي والمقتضي، وعند زوال المانع يعود إلى العزيمة، في حين أن المستثنى يكون للدوام والاستمرار.

وقد خلص الأستاذ إلى أن العلاقة بين العلمين: (أصول الفقه ومقاصد الشريعة) يتجاذبها وجهان:

الأول: وجه الاتفاق، وينحصر في عنصرين:

ـ من حيث الاستمداد، فكلاهما مستمد من الوحي، وهذا لا إشكال فيه.

ـ ومن حيث الثمرة، فالثمرة واحدة، فكلا العلمين غايته طلب الأحكام الشرعية العملية، والإجابة على أسئلة المكلفين.

والثاني: وجه الاختلاف، ويتجلى في آليات الاستدلال المتوخاة في العلمين؛ إذ أعز ما يطلب في المقاصد هو القطع، في  حين نجد علم أصول الفقه يشتمل على القطع والظن.

الكلمة الختامية باسم اللجنة المنظمة والأساتذة المشاركين

للدكتور محمد العلمي

بعد نهاية المحاضرة الختامية تسلم الدكتور محمد العلمي رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي الكلمةَ الختامية باسم الأساتذة المشاركين في الدورة، مفتتحا إياها بالشكر الجزيل، والعرفان الجميل لكل من ساهم في إنجاح الدورة من أساتذة أجلاء، وطلبة باحثين نبهاء، وإداريين فضلاء، مردفا ذلك بجملة من التلخيصات والتنبيهات العملية التي استجمعها من خلال محاضرات السادة الأساتذة المشاركين في الدورة، مجملا  إياها فيما يلي:

ـ  لا بد أن يكون الإنسان عموما، والطالب الباحث خصوصاً تركيبيا في نظره للأمور. وألا يكون تبسيطيا ذا بعد واحد.

ـ لا يمكن فهم علم دون ربطه بتاريخه.

ـ لا ينبغي أن نسجن أنفسنا في مسائل خلافية تاريخية، بل علينا أن نسعى جاهدين لإطفاء الحرائق.

ـ لا يجوز الفصل بين العلم والمسؤولية.

ـ يجب التحقق بقواعد العلوم، ليكون النظر النقدي في النهايات لا البدايات.

ـ تجنب المقدمات العاطفية، والأسلوب الخطابي.

ـ يجب احترام التراث بالاجتهاد في تدقيق البحث فيه.

ليختم بتجديد شكره وعظيم امتنانه للجميع، ويختم بالدعاء للمشاركين بالتوفيق والسداد.

 تنسيق: عبد الرحيم اللاوي

                          صورة جماعية للأساتذة المؤطرين للدورة

                               مع الباحثين المشاركين فيها

 لقاءات علمية بين الأساتذة المؤطرين للدورة وبعض الأساتذة الضيوف

                               

صور للأساتذة المؤطرين مع الطلبة الباحثين 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا