الدورات التأهيلية في العلوم الإسلامية‎

الدورات التأهيلية في العلوم الإسلامية‎

بسم الله الرحمن الرحيم

التقرير العام عن الدورة التكوينية في موضوع:

«الفقه المالكي عطاء ونماء: مفاتيح ومسارات»

  في سياق أشغال التكوين التي يضطلع بها مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي، وإسهاما منه في استكمال تأهيل باحثين متخصصين في الفقه المالكي وأصوله:

 نظم المركز بإشراف الأمانة العامة للرابطة المحمدية للعلماء الحلقة الافتتاحية من الدورات التأهيلية في العلوم الإسلامية، تحت عنوان:

الفقه المالكي عطاء ونماء: مفاتيح ومسارات

لفائدة طلبة الدراسات العليا (ماستر ودكتوراه) من الرباط والمحمدية

وذلك يوم الجمعة 28 دجنبر 2018م، بمقر الرابطة المحمدية للعلماء بالرباط/بالشهداء

انطلقت أشغال الدورة بتلاوة آيات بيِّنات من الذكر الحكيم، تلتها كلمة تأطيرية ألقاها السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء د. أحمد عبادي، وضَّح فيها السياق  العام الذي تأتي فيه هذه الدورة التكوينية؛ مبرزا التغير الكبير الذي عرفته الأنساق التواصلية في عالمنا المعاصر والسرعة التي أصبح يعيشها العالم، حيث أصبح الفقه مطالبا بمواكبة هذا التغيير بشكل ديناميكي ليضطلع بدوره الحضاري.

وأشاد فضيلته بالغنى والفاعلية التي يتميز بها التراث الفقهي المالكي، وقدرته على مواكبة مستجدات العصر وإيجاد حلول وإجابات للإشكاليات الكبرى التي يشهدها الواقع اليوم، وذلك شريطة فك رموزه ومصطلحاته، عن طريق وضع معاجم وكشافات تفك شفرة هذه الرموز والمصطلحات وتكشف خباياها.

وقد نوه فضيلته في هذا السياق بالجهود التي يقوم بها رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي الأستاذ محمد العلمي في سبيل تذليل صعوبات التعامل مع الفقه المالكي؛ حيث أصدر سلسلة معاجم وكشافات تهدف لتقريب المعلومة الفقهية للباحثين.

ثم دعا السيد الأمين العام إلى ضرورة تكثيف الجهود بين الجامعات والمراكز البحثية من أجل العمل على مشاريع علمية قد يستغرق العمل عليها بشكل منفرد ربما مئات السنين، في حين أن العمل عليها بشكل جماعي وفي إطار مشاريع علمية لا يستلزم إلا بضع سنين.

وختم كلمته بالتشديد على أهمية استكمال التكوينات العلمية من أجل الاستفادة بالشكل المطلوب من الفقه المالكي، وأن العكوف العلمي ينبغي أن يكون باستمرار وليس موسميا، وفي هذا السياق يأتي تنظيم مثل هذه الدورات.

الجلسة الصباحية

المسير: د محمد العلمي رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي القنيطرة

المحاضرة الأولى: التفسير الفقهي عند المالكية ميزاته وخصوصياته

الدكتور محمد العلمي

بين  الأستاذ المحاضر أن الغرض من هذه المداخلة تصحيحُ بعض الأخطاء وتمكين الباحثين من بعض الأدوات التي لا غنى للباحث في العلوم الشرعية عنها عموما، وفي الفقه المالكي خصوصا، مبينا موقع التفسير الفقهي ضمن خارطة العلوم الشرعية ووقوعه ضمن شعبة النظر والحجة والاستدلال، ليقرر بعد ذلك أن كتب التفسير الفقهي إضافة لشروح السنة ليست كتبا معتمدة في الفتوى.

ليستعرض بعد ذلك أشهر كتب التفسير الفقهي مبرزا تميز المالكية في التصنيف في هذا الفن.

وقد قسم التفسير الفقهي عند المالكية إلى مرحلتين: مرحلة المتقدمين ومرحلة المتأخرين.

المرحلة الأولى تميز بغلبة نفس الجدل الفقهي، ودفاع كل مصنف في أحكام القرآن عن اختيارات مذهب إمامه، ومسائله على صعيد الخلاف. مبرزا أن من أشهر مؤلفات المتقدمين كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وكتاب ابن بكير، ويليه كتاب بكر بن العلاء القشيري الذي اختصر أحكام القرآن للقاضي إسماعيل مع الزياد عليه.

 والأول طبعت منه قطعة صغيرة، والثاني مفقود والنقل عنه متوفر، والثالث طبع كاملا في أطروحة بالسعودية، ثم صدر مؤخرا، بتحقيق ذ سلمان الصمدي.

أما كتب المتأخرين فقد ذكر منها أحكام القرآن الكبرى و أحكام القرآن الصغرى لابن العربي، وأحكام القرآن لابن الفرس، والجامع للقرطبي.

ثم تطرق بعد ذلك إلى بيان الفرق بين المتقدمين والمتأخرين في التفسير الفقهي، فمن خلال القطعة المطبوعة من أحكام القاضي إسماعيل بتحقيق ذ عامر صبري يظهر بجلاء اعتناء المتقدمين البالغة بالمناقشة الخلافية، فهي كتب جدلية بامتياز؛ إذ كانت تضم ردودا على الحنفية والشافعية، وتُبرز النفَس الجدلي عند المالكية المتقدمين في التفسير الفقهي.

أما المتأخرون، فإن أهم سمة تميزهم هي تقلص الجدل المذهبي والتوسع في أسباب الخلاف، وهو ما يجليه بوضوح كتاب أحكام القرآن لابن الفرس والذي أكثر فيه من بيان أسباب الخلاف.

وختم مداخلته بعرض للكتب المطبوعة في أحكام القرآن عند المالكية، وذكر منها كتاب أحكام القرآن للقاضي اسماعيل والذي طبعت منه قطعة صغيرة بدار ابن حزم، وكتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء القشيري الذي طبع كاملا في مجلدين، وأحكام القرآن لابن العربي المطبوع بتحقيق علي البجاوي، وكتاب الجامع للقرطبي والذي طبع عدة طبعات، مضيفا إليها كتاب المحرر الوجيز لابن عطية الذي أعيد طبعه مؤخرا بقطر.

المحاضرة الثانية: القواعد الأصولية التي تفرد بها المالكية:

المصلحة المرسلة أنموذجا

الدكتور مولاي مصطفى الهند

نبَّه الأستاذ المحاضر في مستهل مداخلته أنها عبارة عن ملامح منهجية حول أصل المصلحة المرسلة، مؤكدا على أن هذا الأصل يحتاج إلى مزيد من التحقيق والتدقيق. وانتقل بعد ذلك إلى ذكر تعريف هذا الأصل، موضحا أن تعريف الإمام الشاطبي هو من أجود التعاريف الخاصة بالمصلحة المرسلة؛ لأنه جمع فيه ما تفرق في غيره، مبينا أن المالكية ممن تفردوا بهذا الأصل، ولينتقل بعد هذه التوطئة إلى ذكر الملامح المنهجية المتعلقة بالمصلحة المرسلة:

الملمح المنهجي الأول: المصلحة المرسلة وإشكالات التأسيس والتأصيل: فالشائع أن من كان له السبق في علم الأصول هو الإمام الشافعي، وهذا أمر غير صحيح؛ إذ أن هناك فرقا بين السبق في التدوين والرسم، والسبق التاريخي العلمي الزمني للعلم، فما يقال من أن الشافعي كان له السبق في علم الأصول فإننا نتحدث عن أمر التدوين، والسبقية فيه باعتباره أول من دون علم أصول الفقه، أما الدرس الأصولي فقد كان حاضرا قبل الإمام الشافعي مع الإمام مالك وأقرانه.

فهذا الاختلاف في منهج الاستدلال، هو ما أثر بشكل كبير على هذا الأصل؛ لأن من أدخل القياس في الاستدلال لم يتحدث عن المصلحة المرسلة بل تحدث عن المصلحة فقط.

والمذهبية الأصولية، كان لها أثر كبير في الاختلاف في حجية المصلحة المرسلة أيضا، فاستنكار الحنفية والشافعية على المالكية التوسع في العمل بالمصلحة المرسلة عائد إلى المذهبية في الأصول.

الملمح المنهجي الثاني: المصلحة المرسلة عند المالكية والواقع: وهذا التميز عند المالكية بهذا الأصل وإن لم نقل انفرادهم به، جعل الفقه المالكي مرتبطا أشد الارتباط بالواقع؛ ذلك أنهم نظروا إلى أن المصلحة المرسلة وجه من وجوه مراعاة الأحوال، وأن النظر في الواقع فيه تحقيق للمصالح، ودفع للمفاسد، كما أن هذا النظر فيه نوع من المساعدة على الاستجابة للنوازل المستحدثة، وإيجاد حلول لها.

الملمح المنهجي الثالث: الخصائص التصورية للمصلحة المرسلة عند المالكية: فالمصلحة المرسلة عند المالكية مؤطرة بعنصرين أساسين: الأول: هو اتفاق المالكية على العمل بهذا الأصل، واختلافهم في تحقيق مناطه، والعنصر الثاني: أن الأحكام المبنية على المصالح المرسلة لا تعتبر أحكاما قارة، بل هي عرضة للتغيير.

الملمح المنهجي الرابع: المصلحة المرسلة عند المالكية وشبه الإلزام: وذلك أن النقد الذي توجه للمالكية في إطار عملهم بالمصلحة المرسلة هو من باب الإلزام، كما هو الشأن للانتقاد الذي وجهه الإمام الجويني  للإمام مالك حول جواز قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها.

وقد أجمل الأستاذ المحاضر الشبه التي تتوجه للمالكية بخصوص المصلحة المرسلة في ثلاث شبه:

الشبهة الأولى: المصلحة المرسلة تؤدي إلى اختلاف الأحكام باختلاف الأحوال.

الشبهة الثانية: تردد المصلحة بين الاعتبار والإلغاء.

الشبهة الثالثة: الاعتداد بالمصلحة المرسلة طريق للأهواء.

وختم مداخلته ببيان تفرد المالكية بهذا الأصل.

المحاضرة الثالثة: خصوصيات المالكية في شرح السنة المعلم وما عليه نموذجا

الدكتور طارق طاطمي

مهد الأستاذ المحاضر لمداخلته بمدخل أبرز فيه عناية المالكية بدواوين السنة، ثم أتبعها بمبحث أول بين فيه مكانة صحيح مسلم عند المغاربة، وسبب تفضيلهم له، مع ذكر أشهر الجهود الموضوعة عليه، مكتفيا بالتعريف بشرح المازري الموسوم بالمعلم وما ألف عليه، مبرزا مكانة كتاب المعلم بكونه أول شرح مالكي على صحيح مسلم، مع ذكر أشهر طبعاتهأو.

وخصص المبحث الثاني من مداخلته لبيان المعالم المنهجية العامة لكل من المازري، وعياض، والقرطبي في شروحهم على صحيح مسلم، مؤكدا على تقارب مناهجهم في الشرح، حيث كانت لهم عناية بسياق الحديث، وذكر سبب وروده، مع دفع شبه التعارض بين الأحاديث، والعناية بذكر الناسخ والمنسوخ، مع استنباط الأحكام، واللطائف.

لينتقل بعد ذلك إلى المبحث الثالث والأخير الذي اعتبره ثمرة البحث، حيث سعى فيه إلى إبراز خصوصيات المالكية، وبيان تفردهم  بالاجتهاد في شرح الحديث النبوي، مما جعل استنباطاتهم محل استحسان الشراح والفقهاء اللاحقين، فصارت بذلك اختياراتهم مبثوثة في الكتب الفقهية المعتمدة في المذهب.

الجلسة المسائية.

المسير الدكتور محمد المنتار رئيس مركز الدراسات القرآنية، الرباط.

المحاضرة الرابعة: أبعاد المصطلح الفقهي وأغراضه عند المالكية

الدكتور عبد الله المعصر

افتتح الأستاذ المحاضر مداخلته بمقدمة تمهيدية أبرز فيها دور المصطلح الفقهي وأهميته في دراسة النصوص، مؤكدا على عناية الفقهاء المالكية بالمصطلح الفقهي انطلاقا من النصوص التأسيسية الأولى للمذهب كالموطأ للإمام مالك والذي كانت له عناية بالغة بالمصطلح، وغيرها من مؤلفات المذهب التي اعتنت ببيان غريب الألفاظ.

فالمصطلح الفقهي أخذ حظا كبيرا من مؤلفات أئمة المذهب، سواء داخل المدونات والشروح، أو استقلالا كالدراسة للألفاظ الواردة في المتون.

وقد مثل لعناية المالكية بالمصطلح الفقهي بإمام المذهب الإمام مالك؛ إذ أبرز عنايته بالمصطلح من خلال كتابه الموطأ والمدونة، فقد تتتبع المصطلحات الفقهية وقرب مضامينها وضبط مفاهيمها، وذلك من خلال تقريره للحقائق الشرعية، حيث وظف المصطلح الشرعي ليصبح دالا على حقيقة عرفية، كتعبيره عن ميراث الولد والده أو والدته باسم ميراث الصلب، وهو التعبير الذي شاع عند الفرضيين بعد ذلك، حتى قال القاضي ابن العربي في القبس أن الإمام مالك هو أول من تلقفها من القرآن في قوله {يخرج من بين الصلب والترائب}.

والتزامه أيضا بالمصطلح الذي شاع عند أهل المدينة وتطبيقه على محله وتفصيل صوره، كما في لفظ العهدة.

كما أشاد بتفرد الإمام مالك ببعض المصطلحات، كاختراعه لكتاب الجامع الذي اختص به الإمام مالك دون غيره، والذي جمع فيه أشتات المسائل.

وقد دعا الأستاذ المحاضر الباحثين إلى ضرورة العمل على جمع مصطلحات الإمام مالك الخاصة به، والتي تفرد بها؛ لما في ذلك من أهمية بالغة.

مؤكدا أن المصطلح الفقهي يشكل الذاكرة المعرفية الحية للفقه، فعلى قدر ضبط المصطلح الفقهي على قدر ضبط المادة الفقهية.

ليختم مداخلته ببيان أغراض الفقهاء من استعمال المصطلح الفقهي مجملا إياها في:

الغرض الأول: البعد المنهجي للمصطلح؛ إذ كان قصد فقهاء المالكية من تدوين المصطلح الفقهي ذا بُعد منهجي يتلخص في تنظيم المداخل الأساسية لعلم الفقه عبر مصادره الأساسية، ومؤلفاته المعتبرة.

الغرض الثاني: البعد الوظيفي للمصطلح، ويتجلى في تنظيم مجال الفتوى والقضاء والتصنيف، حتى لا تتسرب الأهواء إلى الاختيارات الفقهية تحت مسميات متعددة، أو يتجرأ الناس على الفتيا من غير علم.

الغرض الثالث: البعد العلمي للمصطلح، وذلك بحصر معاني المدلولات للمصطلح الفقهي، وتمييز حقائقه.

الغرض الرابع: البعد الحضاري والتاريخي للمصطلح؛ إذ إن الكثير من مصطلحات الفقهاء تحمل حمولات حضارية وتاريخية مهمة.

المحاضرة الخامسة: جملة من قواعد توثيق الحقوق في المذهب المالكي

قراءة في رسالة شرح ألفاظ الواقف ليحىى الحطاب

الدكتور محمد السرار

استهل الأستاذ المحاضر مداخلته بكلمة موجزة حول عقود التبرعات في المذهب المالكي، والتي يندرج فيها عقد الوقف، مبرزا أهمية الصيغة في عقد الوقف باعتبارها مبينة لمقصود الواقف، وكونها وسيلة يتوصل بها إلى حفظ الحقوق وصيانتها.

لينتقل بعد ذلك إلى بيان معنى الحق، معرفا به من حيث مدلوله اللغوي والاصطلاحي، وموضحا الفرق بين الحقوق المتعلقة بالعباد والحقوق المتعلقة بالله عز وجل، وما يترتب عن ذلك.

ثم حرر المحاضر باختصار أهم أركان الوقف وهو الصيغة معرفا لها بقوله: «الألفاظ التي يعبر بها المحبِّس على المحبَّس عليه»، ممثلا لها بقول المحبِّس: «حبست هذه الدار على ولدي»، فلفظة: «ولدي» اعتنى بها الفقهاء والموثقون عناية بالغة قاصدين تحديد دلالتها بالضبط، وغيرها من الألفاظ المستعمل في الوقف.

ليقف بعد ذلك مع كتاب «شرح ألفاظ الواقفين والقسمة على المستحقين» للإمام يحيى بن محمد الحطاب، معرفا بالمؤلف تعريفا موجزا، ومبينا لمظان ترجمته والمصادر التي تناولته بالتعريف من أول من ترجم له وهو ابن القاضي في درة الحجال إلى الزركلي في أعلامه، منبها على خطأ هذا الأخير في ترجمته للشيخ يحيى الحطاب حيث عدَّ له كتابين في الوقف مع أنهما كتاب واحد.

ثم انتقل إلى الحديث عن مضامين هذا الكتاب وطبعاته، فذكر طبعته الأولى الحجرية بفاس، ثم طبعته الثانية على الحروف بتونس سنة 1341 هـ،  وأما عن مضامين الكتاب فإن مؤلفه قد أفصح عن موضوع كتابه في عنوانه، ذلك أنه شرحٌ لألفاظ الواقفين التي يعبر بها العدول عن إرادة الواقف بما يكتبون في الوثائق، وقد جمع هذا الكتاب مجموعة من الفتاوى النادرة جدا، وخاصة فتاوى المتأخرين من شيوخ المؤلف، وشيوخ شيوخه.

وقسم الأستاذ المحاضر مجمل ألفاظ الواقف التي ذكرها المؤلف إلى ثلاث مجموعات: الأولى: ما يرجع فيها الأمر إلى اللفظ نفسه. والمجموعة الثانية وهي: الألفاظ المتعلقة بالضمائر،  ومعاني الحروف. والمجموعة الثالثة وهي: المتعلقة بمقصد الواقف وإرادته.

وقد دعا في ختام مداخلته الباحثين إلى الاشتغال على هذا الكتاب دراسة وتحقيقا، موجها الباحثين إلى مظان مخطوطات هذا الكتاب.

 المحاضرة السادسة: أصل ما جرى به العمل: نظرات في المفهوم والضرورة الاجتهادية

الدكتور: إدريس غازي

مهد الأستاذ المحاضر لموضوعه بمدخلين تصورين اعتبرهما هامين: مدخل تصوري عام يتعلق بالمعرفة الفقهية، ومدخل تصوري أخص من الأول وهو المتعلق بأصل ما جرى به العمل، لينتقل بعد هذين التمهيدين لبيان أهمية أصل ما جرى به العمل في كونه يمثل  أصلا استدلاليا على غرار عمل أهل المدينة في مستوى الاجتهاد المذهبي، وأنه مثال حي على نبوغ العقل الفقهي المالكي وقدرته على الاستجابة لمقتضيات العصر.

لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن مفهوم ما جرى به العمل، معرفا له بقوله: «القول الفقهي المبني على الأخذ بالمرجوح حكما أو إفتاء في مقابل الراجح أو المشهور لموجب من الموجبات المعتبرة، مع تأييد هذا الاختيار بعمل الحكام والمفتيين».

ثم انتقل بعدها الأستاذ المحاضر لعرض بعض الملاحظات على هذا الأصل الذي تفرد به المالكية:

الملاحظة الأولى: أن هذا الأصل هو دعوة إلى مواكبة النوازل والمستجدات بالنظر المجدد الذي لا يُكتفى فيه بالقول المسطور.

الملاحظة الثانية: أن الرجحان سواء كان بالشهرة أو بقوة الدليل، أو بمقابله الذي يكون بسبب الشذوذ أو الضعف، مبناه على معايير تفرضها خصوصيات النوازل الطارئة، وعليه فتكون الأقوال المرجوحة بمقتضى هذا النظر في محل الاعتبار.

الملاحظة الثالثة: أن في تحكيم قاعدة العمل حسما لمادة الخلاف وتضارب الأقوال وتشعب الآراء، وخاصة إذا تأيد جريان العمل بإلزام القضاء. قال أبو الشتاء الصنهاجي: «القول إذا جرى به العمل يرفع الخلاف في النازلة».

الملاحظة الرابعة: أن في الأخذ بقاعدة العمل التجسيد الكامل والتشخيص الفعلي للمبدأ الفقهي المشهور: تغير الأسباب مؤذن بتغير الأحكام المتنزلة على مقتضاها، وذلك لأن فقه العمل مبناه على الاجتهاد في تحقيق مناط الأحكام التي تنص عليها أدلة المذهب عامة وخاصة، وبهذا النظر التحقيقي الفاحص، يتأتى للفقهاء استثمار الأقوال المهجورة، وإعمالها في خصوص النوازل المعروضة كلما كان في المضي مع مشهور الأقوال مشقة وحرج أو مناقضة لمقصود الشرع.

ليستعرض بعد ذلك ضوابطَ وشروط العمل بهذا الأصل لوضعه في سياقه الاجتهادي الصحيح مجملا إياها في خمسة ضوابط:

الضابط الأول: ثبوت جريان العمل بالقول.

الضابط الثاني: معرفة محلية جريانه عاما أو خاصا من البلدان.

الضابط الثالث: معرفة زمانه.

الضابط الرابع: معرفة كون من أجرى ذلك العمل من الأئمة المقتدى بهم في الترجيح.

الضابط الخامس: معرفة السبب الذي لأجله عدلوا عن المشهور إلى مقابله.

فالضابط الأول والرابع متعلقان بالسند النقلي للعمل؛ إذ بهما تتضح ضوابط ثبوت العمل، والضابط الثاني والثالث يتعلقان بالسند الظرفي للعمل، وأما الضابط الخامس هو الأهم والجوهري؛ لأن له صلة بالسند المعنوي للعمل.

ليختتم مداخلته ببعض الخلاصات أجملها فيما يلي:

أولا: أن المذهب المالكي في حاجة ملحة إلى استثمار مناهجه وقواعده قصد الاهتداء بها في مسيرته الاجتهادية .

ثانيا: أن هذه القواعد والمناهج تحتاج إلى دراستها ومقاربتها بتناول نقدي فاحص يراعي سياقتها وخصوصياتها.

ثالثا: ضرورة مراجعة أحكام العمل الموروثة عن السلف، وتنقيحها ومقاربتها مقاربة نقدية.

رابعا: أن أصل ما جرى به العمل يمكن الباحثين من الوقوف على آليات الاجتهاد ومقوماته في المذهب المالكي.

الكلمة الختامية

واختتمت هذه الدورة بكلمة ختامية ألقاها د. محمد العلمي، أكد فيها على دور الرابطة المحمدية العلماء ممثلة في مراكزها ومحاولاتها الدؤوبة لحل المشكلة الثقافية والفقهية في العالم الإسلامي عبر التكوين، وفي هذا السياق يأتي تنظيم مثل هذه الندوات، داعيا طلبة الماستر والدكتوراه إلى تجنب المنطق العامي في تناول القضايا، والاستفادة من الجامعة بالشكل المطلوب.  

 إعداد: ذ طه فطناسي ـ ذعبد القادر الزكاري  



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا